حجب سليمان الشطي… ومحاكمة طه حسين! – إرم نيوز‬‎

حجب سليمان الشطي… ومحاكمة طه حسين!

حجب سليمان الشطي… ومحاكمة طه حسين!

نجم عبد الكريم

أخبرني الصديق الدكتور سليمان الشطي، الذي عاصرته زمن ما قبل الثانوية وحتى ما بعد حصوله على الدكتوراه، أن روايته الأخيرة لم تظهر إلى النور لأن الرقيب حجبها! رقيب في هذا العصر؟ شيء غريب! مع أن الدكتور الشطي يعد من خيرة كُتاب القصة في الكويت، إضافةً إلى كونه ناقداً، ومدرساً للأدب العربي في الجامعة، يمنع الرقيب روايته من الظهور! وأين؟ في الكويت! بلد الحرية… والإبداع!
عاد بي كلام صديقي الشطي إلى أشهر المحاكمات الأدبية في القرن الماضي، يوم حوكم الدكتور طه حسين على كتابه ”في الشعر الجاهلي“ الذي صدر عام 1926، والذي ركز فيه على أن هذا الشعر منتحل، وبالذات شعر المعلقات، نظراً لتطابق اللغة الواحدة في كل المعلقات، مع أن عرب الجاهلية كانت عندهم فوارق كبيرة في لغاتهم ولهجاتهم، ومنها اللغة الحميرية على سبيل المثال.
ولنقف لحظات أمام بعض أسئلة التحقيق الذي أُجري مع الدكتور طه حسين حول هذا الموضوع.
س: هل يمكن لحضرتكم الآن تعريف اللغة الجاهلية الفصحى، وبيان الفرق بين لغة حمير ولغة عدنان، ومدى هذا الفرق، واذكر بعض الأمثلة التي تساعدنا على فهم ذلك؟
ج : قلت إن اللغة الجاهلية في رأيي، ورأي القدماء، ورأي المستشرقين، لغتان متباينتان، ولغة حمير مخالفة للغة العربية الفصحى، أما إيراد النصوص والأمثلة فيحتاج إلى ذاكرة لم يهبها الله لي، ولابد من الرجوع إلى الكتب المدونة.
س: هل يمكن لحضرتكم أن تبينوا لنا هذه المراجع، أو تقدموها لنا؟
ج: أنا لا أقدم شيئاً.
س: هل يمكن لحضرتكم أن تبينوا لنا، إلى أي وقت كانت اللغة الحميرية موجودة، ومبدأ وجودها إن أمكن؟
ج: مبدأ وجودها ليس من السهل تحديده، ولكن لا شك في أنها كانت معروفة، وتُكتب قبل القرن الأول للمسيح، وظلت يُتكلّم بها إلى ما بعد الإسلام، لكن ظهور الإسلام وسيادة اللغة القرشية محوا هذه اللغة، وأقرا مكانها لغة القرآن.
س: هل يمكن لحضرتكم أيضاً أن تذكروا لنا مبدأ اللغة العدنانية ولو بوجه التقريب؟
ج: ليس من السهل معرفة مبدأ اللغة العدنانية، وكل ما يمكن أن يقال بطريقة علمية هو أن لدينا نقوشاً قليلة جداً يرجع عهدها إلى القرن الرابع للميلاد.
***
ولأن الجهات التي تقدمت بشكواها ضد الدكتور طه حسين عديدة، فقد أثارت تلك المحاكمة الرأي العام الذي أخذ يتابعها بشغف، وقد حسم الأمر فيها رئيس النيابة محمد نور الذي قدّم قطعة أدبية، أقنعت جميع المشتكين وبرأت الدكتور طه حسين.
ومما قاله في مذكرته القانونية:
– إن طه حسين يرى القرآن الكريم حجة على الشعر الجاهلي، والشعر الجاهلي ليس حجة على القرآن، لأنه مشكوك في روايته.
– ومما قاله أيضاً إن للمؤلف طه حسين فضلاً لا ينكر في سلوكه طريقاً جيداً للبحث حذا فيه حذو العلماء الغربيين حتى تخيل ما ليس بحق، أو ما يزال في حاجة إلى إثبات أنه حق.
– ويتضح مما تقدم أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن أو التعدي على الدين، بل إن العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواضيع من كتابه، إنما أوردها على سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها.
– وحيث إن القصد الجنائي غير متوفر، فلذلك تُحفظ الأوراق إدارياً. القاهرة 30 مارس 1927.
نتمنى لصديقنا سليمان الشطي محاكمة أدبية بسبب حجب روايته، ولعل هذا النمط من المحاكمات يسود في مجتمعاتنا الديمقراطية ليأخذ كل ذي حق حقه، وليطلع الناس على الأسباب التي تُبديها الرقابات في منعها أو حجبها للأعمال الإبداعية.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com