الإعصار والفيضان

الإعصار والفيضان

تذكّرت الولايات المتحدة مرور عشر سنين على إعصار كاترينا الذي كان أحد أسوأ الكوارث الطبيعية. تضمنت الذكرى برامج واستعادات وكتابات وشهادات وأحزانًا شتّى.

سيدة من لويزيانا تروي حكاية منزل خشبي صغير أصفر في المدينة اشترته أمها عام 1960 بثلاثين ألف دولار وملأته بالأبناء والذكريات.مثل «كوخ العم طوم» كان المنزل المثلث الشكل هو عالم العائلة.

رائحة طبخ الأم ورائحة أزهار الحديقة وأصوات أولاد الجيران. يتصالحون قبل الخلود إلى النوم في أمسيات الربيع المليئة بالحيوية والمشاكسات المنسيّة غدًا. الإعصار غير الريح، وغير العاصفة. لا يزأر ولا يهدّد، بل يقتلع ويستهدف الأسس والجذور والزوايا.

ما نسميه في العالم العربي تهجيرًا أو تطهيرًا عرقيًا هو اقتلاع للجذور. إعصار شرّيد، مدمّر ومدبر. لا تلغي فقط هناء الناس واستقرارها، وحتى حياتها وأرواحها، بل تزيل ماضيها ومستقبلها وأمكنة العودة.

أهم شيء فعلته إسرائيل في حق أصحاب الأرض كان إلغاء معالم العودة. العقاب الأكبر الذي تنزله بالمناضلين ليس السجن، بل تدمير بيوتهم وإزالتها بالجرافات. بعد ذلك، تقوم بتطويق الأهالي بالمستعمرات والأغراب والمعالم الجديدة.

يرسم الإعصار العربي خرائط ويمحو خرائط. «سايكس بيكو» قام على ضم المقاطعات، وهذا يقوم على تقطيعها. حاول «سايكس بيكو» جمع الأعراق والطوائف والقبائل، وهذا يشتتها. والإعصار لا يخجل ولا يستحي ولا ينظر إلى الوراء ليرى ماذا فعل. له عمل واحد ومهمة واحدة: الاقتلاع.ما لا يدمره، يتركه للفيضان الذي يتبعه. هذا يعمل ببطء ودقة. لا يهدم المنزل وحده، بل يجتاح المقاعد والوسائد والمطبخ الذي كانت الأم تعد فيه الطعام وتنغّم توزيع التوابل، تعويضًا عن نقص الأصائل.هذا ما ينقض عليه الإعصار.

هو وغضبه ولفافته السوداء العاتية مثل مجرَّة من الذئاب. يحاول أهالي لويزيانا البحث عن أمكنة الجدران لكي يعيدوا رفعها. ويبحثون عن طلاء أصفر للبيوت الخشبية الصغيرة. وكما يفعل مخرجو الأفلام في إقامة مدن مشابهة لظلال الماضي، يحرصون على استعادة التفاصيل الصغيرة ولو أن أولاد الجيران كبروا عشر سنين وما عادوا أطفالاً يتشاجرون.ينقض الإعصار على أغلى ما لديك. على الأشياء التي لا يمكن نقلها أو إعادة حجارتها وعطرها. يعرف أن أغلى ما لدى الإنسان هو السقف الذي فوق رأسه، فينقضّ عليه، ملتفًا حول نفسه على شكل عمود أسود من الغيم. ذلك الغيم الذي لا يفرش المطر، بل الفيضان.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة