رقصة المآتم !!

رقصة المآتم !!

خيري منصور

حين تفشل كل المضادات الحيوية في معالجة مرض ما ثُم تفشل الجراحة حتى لو كانت بترا لأحد اعضاء الجسد فإن المصير المحتم لا يحتاج إلى ضرب أخماس بأسداس، لأنه ضرب أصفار بأصفار.

وما يشكو منه الواقع العربي الآن تراكمت عليه التشخيصات وصور الأشعة، وقد لا يكون هناك تصور في توصيفه لأن البطالة المُزمنة أدت إلى أن يتخصص حتى الهواة في هذا التوصيف، والأرجح أن استفحال الداء له اسباب أخرى غير الداء ذاته، ومنها إصرار المصاب على إنكار ما المّ به فهو يدّعي بأن الانيميا رشاقة، والفقر المدقع زهد، والصّمت من ذهب لهذا فهو لا يتكلم الا اذا كان الكلام من فضّة النميمة، وتبرئة الذات من كل ما تقترف لأنها معصومة، فالخطأ كما الضعف من حصة الاخرين فقط .

ربما لهذا السبب غرق نرسيس في الماء عندما فتن بصورته على سطحه، فاستحق المصير لأنه رفض الاعتراف بأن هناك من هو أجمل منه، وهذا ما دفع شاعرا انجليزيا معاصرا إلى تذكير الناس بما قاله المعرّي عن التراب الذي نمشي عليه ونعفر اقدامنا به … وهو من أجساد أحياء لم تكن الدنيا تتسع لهم .

ما هذا الاصرار على مواصلة السير باتجاه آخر، وفي طريق يعجّ بالكمائن؟ ولو القي ما كتب في تشخيص أمراضنا النفسية وأسباب شقائنا في النيل ودجلة والفرات لتغيّر لون الماء اكثر مما تغير في زمن هولاكو، لكن سعاة البريد يعيدون كل الرسائل إلى اصحابها لأن المرسل اليه في غيبوبة من درجة لا تسمح له حتى بالتعرف على ذاته !

إصرار باسل حبّذا لو كان في الطريق الصحيح، على الإنكار والمُكابرة والزّهو بجهل يتسع ويتعمق على مدار اللحظة.

حتى قطعان الخراف تشعر غريزيا بالفزع وتضطرب وهي ترى الدم يسيل من اعناق من سبقها إلى المسلخ .

فمن أين اتت كل هذه اللامبالاة وازدراء الحياة وتبديد أعز مُقتنيات الروح بسفاهة غير مسبوقة ؟

ولو كانت هذه الرقصة الوداعية رقصة طائر ذبيح لقلنا إن الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، لكنها برطَعَة بهائمية وليست رقصة، ومن غرائبها أنها تودى في المآتم !!

(الدستور)

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com