أردوغان يواجه داعش والأكراد وأزمة الحكومة – إرم نيوز‬‎

أردوغان يواجه داعش والأكراد وأزمة الحكومة

أردوغان يواجه داعش والأكراد وأزمة الحكومة

راغدة درغام

المشهد الأمني في تركيا بدأ يشبه ذلك الذي في الدول العربية التي تدوي الانفجارات في عواصمها ومدنها العريقة على وقع المشهد السياسي المرتبك.

تركيا لن تتحول إلى سورية التي تكاتف الجميع لتحويلها إلى موقع استقطاب للإرهاب ولحياكة المصالح على أشلاء السوريين.

لكن تركيا لن تتمكن أن تتسلطن على الشرق الأوسط بعد انحسار نفوذها لصالح إيران بقرار من الغرب والشرق معاً، فلروسيا علاقة متوترة مع تركيا ازدادت عدائية نتيجة الاختلاف الجذري بينهما حول المسألة السورية بأبعادها الإسلامية، كما لأسبابها الاقتصادية التي تشمل مصالح الغاز وأنابيبه.

وللولايات المتحدة صفحات أجواء فاترة في علاقاتها مع تركيا في السنوات الأخيرة تطوّرت قبل أسبوعين إلى تفاهم أو اتفاق جديد بين واشنطن وأنقرة ما لبث أن عكّره مزيج من إفراط أنقرة بتفسيره بأنه يعطيها صلاحية الحرب على الأكراد.

وفتح داعش جبهة ضد الرئيس رجب طيب أردوغان للانتقام من انقلاب أنقرة على التنظيم، وإصرار الرئيس التركي على صلاحيات مطلقة لإحياء العظمة العثمانية.

أما عن العلاقات التركية مع الدول العربية، فإنها تتوقف حيناً عند تبني أردوغان ”الإخوان المسلمين“ في مصر ودول خليجية وكذلك في سورية، وتتلاقى حيناً آخر عند منعطفات الاحتياجات الإقليمية في مشهد موازين القوى الذي يزداد ثقلاً لصالح كل من إيران وإسرائيل.

الهجوم على قصر ”دولمه باشا“ في اسطنبول أول من أمس تزامن مع إصرار أردوغان على انتخابات مبكرة، وأتى في أعقاب هجوم على القنصلية الأميركية في اسطنبول قبل أسابيع، ورافقته خسارة الجيش التركي ثمانية عناصر في هجوم شنّه مسلحون أكراد، هذا إلى جانب دعوة تنظيم داعش الأتراك للتمرد على رئيسهم ”المُلحد“ والدعوة إلى غزوهم اسطنبول.

أردوغان أوقع نفسه في أكثر من ورطة ومأزق، سياسياً وأمنياً، لكنه يبدو عازماً على المضي بما اتخذه من قرارات مهما حصل، فبعد فشل حليفه رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو في التوصل إلى حكومة ائتلافية، رفض أردوغان إعطاء المعارضة فرصة تشكيل حكومة، وأصر على ما سمّي حكومة مؤقتة تشرف على انتخابات يقودها أوغلو تشارك فيها الأحزاب الأربعة الممثلة في البرلمان، رفضتها المعارضة.

وأوضح عزمه إجراء انتخابات مبكرة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بحلول 23 من هذا الشهر، مما يعني إجراء الانتخابات أوائل (نوفمبر/ تشرين الثاني) ودخول البلاد في حالة شلل وزعزعة للاستقرار لفترة تولي الحكومة المؤقتة مهامها، علماً أنها تضم أحزاباً مختلفة فكرياً وسياسياً ودستورياً.

العراق وسورية ساحتان مهمّتان لتركيا، والرئيس أردوغان يلعب على الأوتار في هذين البلدين الجارين وعينه على إيران، الأجندة الإيرانية للعراق وسوريا لا تتلاقى مع الأجندة التركية لا لناحية التنافس على النفوذ في هذين البلدين العربيين، ولا لناحية العلاقة مع الكرد سوى في توافقهما على عدم قيام الدولة الكردية، ولا لجهة تنظيم داعش وآليات سحقه أو تحجيمه.

دخلت تركيا طرفاً في التحالف الدولي ضد داعش في العراق وسوريا الذي تقوده الولايات المتحدة وذلك بموجب الاتفاق الأميركي – التركي على فتح قاعدة ”انجرليك“ التركية أمام الطائرات الأميركية، دخولها التحالف الدولي بصفة الشريك الجديد أتى في أعقاب الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى.

رأت أنقرة أن طهران تنصّب نفسها الحليف الميداني الفعلي للدول الكبرى، بالذات الولايات المتحدة، لتسوّق نفسها الشريك الموثوق به لسحق داعش، واعيةً لتلك الأولوية للغرب وللشرق معاً.

رأت أنقرة أن إيران تعاون الكرد عسكرياً في الحرب على داعش في العراق، وتعزز نظام بشار الأسد في سوريا بعنوان سحق داعش و ”جبهة النصرة“ وأية تنظيمات أخرى تشابههما، فارتأت أنقرة أن تفاهمها مع واشنطن ينافس جدياً كلاً من طهران والأكراد على موقع الشريك القادر ميدانياً على التأثير في مصير داعش وإخواته.

ما حدث هو ان أردوغان اتخذ من الاتفاق مع واشنطن ذخيرة للانصباب على الطوق الكردي لدرجة أنه اتُهّم بغض النظر عن أولوية محاربة داعش بل وتقاعس في مواجهة داعش في سوريا، وهذا ما أثار ملامح الانزعاج الغربي وتمثل جزء منه بسحب بطاريات صواريخ ”باتريوت“ التي كانت الولايات المتحدة وألمانيا نشرتاها على الحدود التركية الجنوبية.

الانزعاج من الاتفاق بين أنقرة وواشنطن أتى من موسكو وطهران اللتين لهما أجندة متشابهة تكاد تكون متطابقة في سوريا، فهما الحليفان للرئيس السوري ويصران على عدم استبعاده عن السلطة، فيما أنقرة تشترط تنحيته لتدخل شريكاً فعلياً كاملاً في الحرب الدولية على داعش في سوريا.

حليف طهران، رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي رد على نتائج لجنة التحقيق البرلمانية التي حمّلته مسؤولية كبرى عن سقوط الموصل في أيدي داعش حين حصل التنظيم على كميات ضخمة من السلاح والأموال ساهمت جذرياً في نقلته النوعية، قال المالكي من طهران، مغرّداً على صفحته بموقع ”فيسبوك“ إن ”ما حصل في الموصل كان مؤامرة ومخططاً وُضِعا في أربيل بالتعاون مع الأتراك وأجهزة الاستخبارات في أنقرة“.

المالكي ما زال يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية في العراق، إلا أن البرلمان وافق على حزمة إصلاحات إدارية أعلنها رئيس الحكومة حيدر العبادي، تنص على إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية وتقليص وزارات ومكافحة الفساد وتعرية التجاوزات، وهناك مؤشرات على إيواء طهران للمالكي استباقاً لإجراءات ضده إذ طالب مجلس القضاء الأعلى السلطات المعنية بتنفيذ أوامره بحجز أموال المتهمين بالفساد ومنعهم من السفر، كما هناك مؤشرات على استياء إيراني من حيدر العبادي لإقدامه على تلك الخطوات.

وكي تكتمل ضبابية الغموض الذي يكتنف تنظيم داعش، الذي بات سحقه أولوية أميركية وروسية وأوروبية تعميها عن جرائم الحرب التي يرتكبها النظام السوري وبينها غاراته على دوما الأحد الماضي، هدد داعش أردوغان والأكراد في توقيت ملفت.

فلقد شنّ داعش هجوماً على أردوغان، داعياً الأتراك إلى التمرد على رئيسهم ”المُلحد“ والاستعداد لـ ”فتح القسطنطينية“ و“غزو اسطنبول“، واتهم التنظيم أيضاً الأكراد بالإلحاد في إشارة إلى ”حزب العمال الكردستاني“ الذي يدخل حالياً في حرب مع تركيا لا ترضى عنها جميع القوى الكردية بل يعارضها جزء كبير منها.

هذه الفوضى ”الداعشية“، التي يقرنها البعض بتعبير ”الفوضى الخلاقة“ الذي صدر عن واشنطن لوصف الحالة المرغوب فيها في المنطقة العربية، إنما باتت المحرّك للتحالفات المريبة ولخطط التقسيم وآليات التدمير والتشرذم.

تركيا متهمة بأنها تحوّلت بقرار من رئيسها، إلى ممر أساسي لإرهابيي الغرب والشرق للتوجه إلى العراق وسوريا للالتحاق بداعش ضمن سياسة تضمن مصالحها ووسائل نفوذها، سياسات أنقرة تلوّنت بشخصية أردوغان والدائرة المحيطة به على نسق أحمد داود أوغلو، فباتت متعجرفة ومكابرة واستندت إلى عنجهية كلّفت سوريا غالياً.

ربما اتخذت تركيا حقاً قرار سحب البساط من تحت أقدام داعش و ”جبهة النصرة“ كي تكون شريكاً في التحالف الدولي، وكي تتموضع مجدداً في موازين القوى الإقليمية إزاء صعود وزن إيران.

وإذا كان هذا حقاً ما حصل، فإن ما جاء في الشريط المصوّر من أحد مقاتلي داعش بعنوان ”رسالة إلى تركيا“ يمكن قراءته بأنه انتقام من انقلاب أردوغان على داعش.

وفي هذه الحال ستدخل تركيا فترة فلتان أمني وستتعرض لعمليات إرهابية، لكن هناك من يتوقع أن تضبط أنقرة المشهد الأمني الآتي بتهديدات من داعش بسرعة نظراً لنوعية وخلفية علاقاتها، فيما ستواجه مصاعب أكبر في ضبط المشاهد الأمنية الآتية من ”حزب العمال الكردستاني“ ومن الأطراف الغاضبة من مصادرة أردوغان القرار السياسي والدستور والحكم القاطع في تركيا.

في المسألة السورية، وكما هناك ”عقدة الأسد“ التي تحول دون التوافق على رعاية الحل السياسي في سوريا، هناك ”عقدة مصر“ لدى تركيا التي تعترض أنقرة على إشراكها في لجنة العمل الإقليمية الدولية لرعاية الحل في سوريا لتضم السعودية وإيران وتركيا ومصر إلى الولايات المتحدة وروسيا.

”عقدة الأسد“ تنطلق من تمسك موسكو بعدم المساس ببشار الأسد لا كشرط لعملية التفاوض ولا كشرط في المرحلة الانتقالية التي نص ”جنيف – 1“ على أن تتكون من ”هيئة حكم انتقالي“، و“عقدة إيران“ تنطلق من رفض السعودية فكرة إشراك إيران في اللجنة المعنية برعاية الحل في سوريا رغم جهود روسيا والأمم المتحدة والولايات المتحدة في محاولات شملت التأثير في الدعم الإيراني للحوثيين في حرب اليمن.

أما ”عقدة مصر“ فإنها تمثلت في ابلاغ تركيا إلى روسيا أنها تتحفظ على إشراك مصر في اللجنة الرباعية إذ لا حاجة، بحسب أنقرة، إلى دولتين عربيتين، والسعودية كافية في رأيها.

مصر وتركيا ليستا جاهزتين للمصالحة، وعقدتهما ثنائياً هي عقدة ”الإخوان المسلمين“ الذين تتبناهم تركيا وترفضهم مصر رفضاً قاطعاً، البعض في مصر يشمت اليوم بما تواجهه تركيا، فتكتب الصحف عناوين على نسق ”أردوغان يدفع ضريبة دعمه للإرهاب“، و ”أنقرة تذوق من كأس دعمها للتطرف وستتعرض لمزيد من العمليات“، إنما هناك من يخشى على العلاقة الأساسية لمصر مع دول خليجية رئيسية بسبب تملق تركيا لدى هذه الدول الذي قد يؤدي الى إضعاف العلاقة المصرية – الخليجية وبالتالي إضعاف إمكانية استعادة الوزن العربي في موازين القوى الاقليمية عبر مصر.

تركيا ليست كما تصورها أردوغان – عبر رؤية أحمد داود أوغلو – خالية من المشكلات في جيرتها، إنها داخلة في خضمّ التهديدات والانفلات الأمني الذي ساهمت به في جيرتها، فلقد كانت أنقرة يوماً مفتاحاً أساسياً للانفراج في سوريا، لكنها تلكأت، واليوم هي مجرد مدعوة إلى طاولة إقليمية تديرها موسكو بموافقة أميركية.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com