أين ذهب السودان؟

أين ذهب السودان؟

عثمان ميرغني

خبران حظيا بقدر كبير من الاهتمام والجدل بين السودانيين خلال الأيام القليلة الماضية وغطيا مؤقتا على أزمة انقطاع التيار الكهربائي المستفحلة، وارتفاع الأسعار وهموم المعيشة. الخبر الأول مصدره أمين عام جهاز شؤون المغتربين، الذي تحدث عن زيادة كبيرة في طلبات الهجرة من السودان، إلى درجة أن تأشيرات الخروج من البلد بلغت في ثلاثة أيام فقط أكثر من 12 ألف تأشيرة. هذا الرقم أكده، بل وزاد عليه، مجمع جوازات المغتربين، الذي تحدث عن استخراج أكثر من 5 آلاف تأشيرة خروج يوميًا. فالحقيقة المحزنة هي أن السودان في عهد «الإنقاذ» وحكم «الحركة الإسلامية» أصبح بلدًا طاردًا، حلم معظم الناس فيه بالبحث عن فرصة للهجرة إلى الخارج بحثًا عن عمل أو لجوء أو حلم حياة أفضل.
أما الخبر الآخر الذي شغل الناس ولا يزال فهو الإعلان عن توقيع عقد مع شركة روسية تزعم أنها ستضع السودان على رأس خريطة إنتاج الذهب في العالم، وبذلك ينتقل البلد من حلم «الذهب الأسود» الذي تبدد مع ضياع عائدات النفط مع انفصال الجنوب ثم في الحروب والتسلح والنهب والفساد، إلى حلم «الذهب الأصفر» الذي يبدو أنه سيتبدد سريعًا أمام الأسئلة المتلاحقة عن مصداقية الأمر برمته. الضجة بدأت مباشرة بعد الإعلان عن أن الشركة الروسية التي وقعت الحكومة السودانية العقد معها في حضور الرئيس عمر البشير ستنتج 33 طنًا من الذهب خلال ستة أشهر، ترتفع بعد ذلك إلى 53 طنًا سنويًا، وأنها توصلت «بعد الاختبارات» إلى أن الاحتياطي المخزون في باطن الأرض في موقعين بالسودان يقدر بنحو 46 ألف طن. ولأن الذهب يباع ويثمن بالأوقية، فإن الكلام عن هذه الكميات الضخمة يعني أن السودان سيحقق عائدات تجلب له حصة كبيرة من 8 تريليونات دولار تمثل القيمة الإجمالية للذهب في العالم. وقد ذكر وزير المعادن السوداني خلال مراسم التوقيع مع الشركة الروسية أن قيمة احتياطيات الذهب في السودان تبلغ تريليونًا و700 مليار دولار.
القصة بدت محيرة خصوصًا أن الشركة الروسية غير معروفة، والأرقام تبدو فلكية إن لم تكن خرافية. فوفقا للإحصائيات العالمية المنشورة فإن مجموع الإنتاج العالمي من الذهب خلال عام 2014 كله لم يتجاوز 2500 طن، حصة الصين منها، باعتبارها أكبر منتج للذهب على مستوى العالم في العام الماضي، كانت 450 طنًا متريًا. من هنا فإن ما أعلن في الخرطوم بعد توقيع الاتفاق مع الشركة الروسية كان يفترض أن يثير اهتمامًا عالميًا، لكن الذي حدث أن الخبر قوبل إما بالتجاهل أو بالتشكيك. فلو أن الأمر كان مقنعًا أو بدا صحيحًا للخبراء لتسابقت الشركات الكبرى المتخصصة نحو السودان، ولتدافع المستثمرون للحصول على حصة وعقود من جراء هذه الثروة. أما الصحافة الاقتصادية المتخصصة فكانت ستفرد مساحات هائلة لهذا الكشف الذي يعني أن السودان يملك احتياطيا يفوق ربع ما أنتجه العالم عبر التاريخ والذي يقدر بنحو 165 ألف طن.
الحكومة السودانية بعدما بشرت الناس كثيرًا برخاء الثروة النفطية، بدأت تروج، منذ تراجع مداخيلها من النفط إلى نسب لا تغطي احتياجات البلاد ولا تسد متطلبات الميزانية، للحديث عن الذهب وتحاول إقناع الناس بأنه سيكون سفينة الرخاء المقبلة والخلاص المنتظر من الأزمات المعيشية، والضائقة الاقتصادية. وبسبب الحديث المتواصل عن الذهب ركض بعض السودانيين نحو حلم الثراء بالتنقيب عن المعدن النفيس، فأصيب كثير منهم بالإحباط أو الإفلاس، بينما تحدثت جهات صحية عن انتشار أمراض السرطان بفعل إساءة استخدام الزئبق في عمليات التنقيب العشوائية. اليوم تعود الحكومة مجددًا لتبشير الناس بطفرة ذهبية من خلال عقد مع شركة روسية غير معروفة في نظر المختصين، وبأرقام تبدو أقرب إلى أفلام الخيال العلمي منها إلى واقع وتاريخ اكتشافات الذهب وتقديرات حجم الاحتياطي العالمي منه.
بكري حسن صالح، النائب الأول للرئيس السوداني، قال قبل أيام إنه لولا عائدات الذهب من التعدين الأهلي لما نجا السودان من ثورات الربيع العربي. هذا الكلام يكشف جزءًا من تفكير النظام الذي يدرك أن الأوضاع الاقتصادية المتردية التي خلقت معاناة معيشية غير مسبوقة تشكل تهديدًا كبيرًا له مع تزايد نقمة الناس والتململ الذي ينعكس بوضوح على مشاركاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي. فالسودانيون يبحثون عن مخرج ولو بالهجرة، والحكومة تبحث عمّا تمتص به حالة الغضب والاحتقان، وربما وجدت في وعود اكتشافات الذهب ضالتها. المشكلة أن السودانيين فقدوا الثقة في شعارات النظام ووعوده، ويشعر كثير منهم بأن مصير الذهب الأصفر لن يكون أفضل من الذهب الأسود، وأن معاناتهم مستمرة. الحقيقة أن ثروة السودان وذهبه هو شبابه وكفاءاته وخبراته التي تريد أن تهاجر.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com