العباءة في العراق

العباءة في العراق

عانت الفتيات من عوائلهن الذين شق عليهم أن تخرج بناتهم من البيت دون عباءة. روت لي الرسامة نزيهة رشيد أنها كانت تفعل ما فعله كثير من الفتيات، تلبس العباءة أمام أهلها وتخرج متسترة بها، ولكنها ما إن تبتعد عن البيت قليلاً حتى تنزعها وتضعها في شنطة خاصة لهذا الغرض وتمشي من دونها ثم تعود فتلبسها حالما تقترب من البيت.

خالد القشطيني

لم تكن مشكلة فتيات الطبقة المتوسطة في العراق منصبّة على الحجاب أو النقاب وإنما على العباءة المنسابة من الرأس إلى القدمين. كانت جزءًا من الحياة الاجتماعية فتغزل بها المطربون بالأغنية الشهيرة: «يا أم العباية، حلوة عباتج! يا حلوة هواية، زينة بصفاتج!».
عانت الفتيات من عوائلهن الذين شق عليهم أن تخرج بناتهم من البيت دون عباءة. روت لي الرسامة نزيهة رشيد أنها كانت تفعل ما فعله كثير من الفتيات، تلبس العباءة أمام أهلها وتخرج متسترة بها، ولكنها ما إن تبتعد عن البيت قليلاً حتى تنزعها وتضعها في شنطة خاصة لهذا الغرض وتمشي من دونها ثم تعود فتلبسها حالما تقترب من البيت. فكانت سترًا أمام والديها فقط وليس أمام الرجال في الخارج! وكان الشباب في المقاهي يعرفون هذه الحكاية فينادونها ساخرين: «فكي شنطتك!».
خاضت الفتيات في المدارس والكليات معارك طائلة في هذا الخصوص بين غير المحجبات والمحجبات بالعباءة. تروي الأستاذة نزيهة فتقول إنهم في ثانوية الأعظمية للبنات، على مقربة من ضريح الإمام أبي حنيفة، كن يتجمعن عند الصباح في مدخل المدرسة. يصفقن لمن تدخل من دون عباءة ويسخرن ممن تأتي متسترة بها. تخلت معظم المعلمات عن العباءة كقدوة لتلميذاتهن، بيد أن الشاعرة عاتكة الخزرجي، مدرّسة الأدب العربي في المدرسة، ظلت تقاوم وتتمسك بعباءتها. ولكن إرادتها انهارت في الأخير وشاع بين الطالبات أنها ستترك عباءتها في اليوم التالي، فاحتشدن جميعًا عند المدخل ينتظرن قدومها، وإذا بها تنزل من قيادة سيارتها، ليس سافرة فقط، بل وكذلك ترتدي برنيطة على رأسها! فدوّت عاصفة من التصفيق والهتاف في كل أرجاء المدرسة!
ما انتهت أيام الخمسينات، الخمسينات الذهبية من تاريخ العراق الحديث، حتى كان سائر بنات الطبقة المتوسطة قد تحولن إلى السفور الكامل. وكذا جرت الأمور في معظم الدول العربية الأخرى من بغداد إلى القاهرة والمغرب. وشن الرئيس بورقيبة حملة شخصية قادها بنفسه في تونس لتمزيق وحرق النقاب التقليدي للمرأة التونسية. وعندما نتفرج في هذه الأيام على صور وأفلام تلك المرحلة حتى نهاية القرن العشرين، لا نجد فيها امرأة واحدة من نساء الطبقة المتوسطة تضع الحجاب أو العباءة على رأسها. كلهن من دون حجاب. انحصرت العباءة والحجاب والفوطة في نساء الطبقة الفلاحية والعمالية، بيد أن ما سماه الإسلاميون بالصحوة الدينية أعاد الحجاب للاستعمال والاحترام.
لكن معركة أخرى في موضوع «ستر» المرأة قد تفجرت أيضًا في العشرينات وما زال أوارها مستعرًا بيننا. وثبت أنها أكثر تعقيدًا وصعوبة من موضوع الحجاب. أقصد بذلك فستان المرأة وثيابها، وهو موضوع قيلت بشأنه شتى النكات والقفشات وتفجرت عدة منازعات ومناقشات في صدده. وهو موضوع لا بد لأن أعود إليه في مقالة قادمة، ففستان المرأة شغل شاغل في أذهاننا جميعا، نحن معشر الرجال، شيبًا وشبابًا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com