رحّالة الصيف: فيلسوف في طهران

رحّالة الصيف: فيلسوف في طهران

سمير عطا الله

يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي عن إقامته في طهران: «ولما كانت طهران زاخرة بنفائس المخطوطات العربية التي تهمني، وكانت هذه فرصة فريدة للاطلاع عليها، لهذا قررت مواصلة الإقامة في طهران حتى أفيد من هذه المخطوطات.
وشجعني على مواصلة الإقامة الرعاية الكبيرة التي حظيت بها من جانب العلماء والأساتذة في طهران، وكانت شهرتي العلمية هناك لا تقل عنها في مختلف البلاد العربية إن لم تزد. ووجدت أن بعض دراساتي قد تُرجمت إلى اللغة الفارسية، مثل: (الإمام علي ورهان بسكال)، ومقدمة كتابي: (شخصيات قلقة في الإسلام)، وكان اهتمامهم أكثر بما نشرته من كتب ونصوص لابن سينا. فأحاطني بعض أساتذة جامعة طهران وبعض العلماء المشتغلين بالدراسات الإسلامية بعناية فائقة وحرارة في الاحتفاء أنستني ذكرى تجربة سنوات ليبيا البغيضة.
فانتقلت من فندق (شيراتون) إلى (بارك أوتيل) في شارع حافظ الواقع في قلب مدينة طهران: ففي قلبها تتوازى ثلاثة شوارع واسعة باسم الشعراء الكبار الثلاثة سعدي، وفردوسي، وحافظ، ويتقاطع معها بالعرض شارع شاه رضا، ويواصله شارع نادري، ثم يمتد حتى ميدان بهارستان (الربيع) حيث يوجد مبنى المجلس النيابي (مجلس شوراي ملّي) وبجواره مكتبته الغنية جدًا بالمخطوطات العربية. ويقع (بارك أوتيل) على مسافة عشرين مترًا من تقاطع شارع حافظ وشارع نادري، وبذلك كان على مسافة متساوية تقريبًا من المكتبات الرئيسية التي سأشتغل فيها: المكتبة المركزية لجامعة طهران، ومكتبة مجلس شوراي ملّي. فكنت أقطع المسافة إلى أيَّهما سائرًا على قدمي كل صباح من التاسعة حتى الواحدة بعد الظهر.
وكان يدير المكتبة المركزية بجامعة طهران عالم ممتاز جمع بين غزارة العلم وسراوة الأخلاق والحرص على مساعدة أهل العلم، وهو الأستاذ ايرج افشار، الذي استطاع – بنشاطه وحرصه على العلم واتساع علاقاته مع سائر مكتبات العالم التي تحتوي على مخطوطات عربية وفارسية – أن يزوّد هذه المكتبة بمقدار هائل من الميكروفيلمات التي تحتوي على أنفس المخطوطات: في تركيا، وبريطانيا، والولايات المتحدة الأميركية، وباكستان، والهند، وأفغانستان. وفي الوقت نفسه استطاع أن يضم إلى تلك المكتبة مجموعات عديدة من المخطوطات المشتتة في أنحاء طهران، وقم، ومشهد، وشيزار، إلى آخره: إما بالاقتناء ممن يملكونها من الأشخاص أو الأسر، وإمّا بالتصوير على ميكروفيلمات. فصارت بذلك أغنى مكتبة مخطوطات في العالم، فضلا عن إيران نفسها. وقد قام بتسجيل عناوين هذه الميكروفيلمات الأستاذ دانش بروة.
لهذا كنت سعيدًا كل السعادة بالعمل صباح كل يوم – طوال إقامتي في طهران من أول أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1973 حتى تركي لها في 20 يوليو (تموز) سنة 1974 – في مكتبة جامعة طهران المركزية، ولم أنقطع عنها إلاّ ما يقرب من ثلاثين صباحًا قضيتها في مكتبة مجلس شوراي ملّي. أمّا في المساء فكنت أحيانًا قليلة أذهب إلى مكتبة ملّي أي المكتبة الوطنية.
ولا يقطع استغراقي في العمل في المخطوطات إلاّ صوت رائع جميل يدوّي من ميكروفون مسجد جامعة طهران، وهو صوت المقرئ عبد الباسط عبد الصمد وهو يتلو آيات من القرآن الكريم. آه! كم كان لتلاوته العذبة من وقع عميق في أرجاء نفسي، وعلى نحوٍ لم أعرفه من قبل في أي بلاد أخرى هاجرت إليها! إسلامية كانت أو غير إسلامية»!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com