في ضرورة البحث عن عدو – إرم نيوز‬‎

في ضرورة البحث عن عدو

في ضرورة البحث عن عدو

موسى برهومة

بعد أن أعياه ما شاهده من جرائم دموية ومكاره نفسية لا تُطاق في أعقاب إلقاء بلده القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناكازاكي، نأى العالم الأميركي لينوس باولنغ الحائز جائزتيْ نوبل في الكيمياء (1954) والسلام (1962) بنفسه، وراح يفكر في خطوات ناجعة لوقف الكراهية في العالم.

ومما تفتّق عنه ذهنه، اقتراحُ نشر إشاعة من طريق الأمم المتحدة عبر أصقاع العالم، تفيد بأن سكان المريخ على وشك مهاجمة الأرض، ودعا إلى دعم هذه الإشاعة من جانب علماء مختلفين حول العالم، معتقداً أن ذلك ربما يؤدي إلى وقف الاقتتال المحتدم على الأرض.

لقد كان باولنغ مؤمناً بقدرة الكذب على مساعدة الحقيقة، وبقدرة الشر على توحيد البشر المنقسمين، وتذويب خلافاتهم، وتوجيه طاقتهم نحو عدو مشترك، حتى لو كان هذا العدو مفتعلاً أو متوهَّماً أو وليدَ الخيال. وفي علم النفس من يرى أن الكراهية ضرورية من أجل الحب، فالبشر لا يستطيعون أن يحبوا العالم ما لم يجدوا عالماً آخر يكرهونه، على ما قاله المتصوف الهندي أوشو. وهو ما يمكن تطبيقه على علاقات البشر، ما صغُر منها وما كبُر.

فالقائد، سواء كان مديراً أم مسؤولاً أم زعيماً، إن هو بالغ في استبداده وبطشه وعنفه، فإنه يوحّد الناس على كراهيته. إن تلك الكراهية تشكل حلفاً للمتضررين من مظالم ذلك الشخص، فتختفي، موقتاً المشكلات في ما بينهم، وتتضاءل التنافسية الكريهة، وتتلاشى الضغينة إلى حدودها الدنيا. الكراهية ها هنا تفجّر الحب والتآزر والتسامح والتكاتف!

ولنا في المجتمعات التي ضربها الإرهاب خيرُ مثال على ما يفعله العدو في نفسية الآخرين، مهما كانوا منقسمين ومتحاربين ومختلفين، لأن ثمة ما هو أعظم وأجلّ وأكثر ملائمة لتوجيه طاقة الكره نحوه.

وبالحب الناجم عن الكره، يفوز المرشحون في الانتخابات. وفي رحلة البحث عن عدو تتحقّق الوعود. وكلما كان العدو حائزاً شروطَ توحيد المنشطرين وتجميع أشلائهم، كان عدواً نموذجياً. هكذا يفعل قادة إسرائيل. فمن دون «العدو الفلسطيني» لا يمكن أن يتوحّد المجتمع في دولة الاحتلال الصهيوني. لذا، فإن الوقت الأكثر مناسبة لحصاد الشعبية والتوافقية هو أن يتزامن مع «عملية إرهابية». وكلما كان الضرر كبيراً والخسائر فادحة، كانت النتائج مبشّرة بالأمل. إنه أمل يتغذى على اليأس، وحب يقتات على الكراهية.

وتلعب «البروباغندا» دورها الحاسم في ترسيم هيئة العدو المرشح أن يوحّد المختلفين المتناثرين على فسيفساء الجغرافيا في بلد أو منطقة أو إقليم. وفي كل بلد تصوّر مسبق للعدو يرقى إلى ما يمكن اعتباره «العدو التاريخي». وقد كانت هذه العبارة لصيقة، عربياً وإسلامياً، إلى زمن قريب بإسرائيل، لكنها تبدّلت، وحلّ مكانها أعداء جدد أكثر بعثاً على الحميّة الوطنية والقومية، وأكثر تفجيراً لنزعات الغضب والكراهية.

والمصيبة أن اقتراح بولنغ عصيّ على التحقّق، الآن، في المنطقة العربية، أو تلك التي عصفت بها لوثة التديّن الشعبوي. فالمذهبيات والأديان والتحزّبات أكثر قدرة على تفجير الكوامن النفسية القلقة في نفوس البشر من التلويح بخطر هجوم مرّيخيين على كوكب الأرض، لا سيما لدى أولئك المولعين بخراب الأرض، لا إعمارها وحمايتها، طمعاً بعالم فردوسي يرى إلى الأرض باعتباره فساداً وجنة الكافرين.

ومن حيث توهمنا أن «داعش» والمنظمات الإرهابية الشقيقة، نموذج مثالي للعدو المنشود، فإن ما حازته هذه التنظيمات من تعاطف، ولو على نحو نسبي، وما أضرمته من نيران مذهبية بغيضة، ومن تهديم لأسس التعايش البشري والحضاري، جعل منها عدواً ناقص المواصفات والمقاييس، وبالتالي فإن كراهيتها غير قادرة على إنتاج الحب الصافي الذي يُلهم ويجمع ويُوحّد، ما يعني ضرورة البحث، أو اختراع، عدو جديد!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com