ما هكذا تورد الإبل – إرم نيوز‬‎

ما هكذا تورد الإبل

ما هكذا تورد الإبل

خالد القشطيني

في مسعى مكافحة الإرهاب والتعصب الديني بمصر، صرح وزير الثقافة، عبد الواحد النبوي، لهذه الصحيفة فأعرب عن قراره باستخدام الفن والثقافة كسلاح في هذه المعركة. لم يذكر العلم، وأقصد به علوم الطبيعة وليس علوم الدين. فكثيرًا ما خلط السلف بينهما. كيف سيستعمل هذا السلاح؟ يقول السيد الوزير إن هذا المسعى سيعتمد على التعاون مع وزارة الأوقاف في تزويد المساجد والأئمة بالمطبوعات وعقد ندوات داخل المساجد.
لا أعتقد أن هذا العمل سيفضي بأي شيء حيوي في الموضوع. ولا أدري ما هي المطبوعات التي سيوزعها عليهم وما الذي ستحتوي عليه. ولكنني أدري أننا اعتدنا على رمي أي شيء في الزبالة يردنا من مصادر رسمية ويمثل وجهة نظر الحكومة. وأشك في أن حضرات الأئمة سيكلفون أنفسهم بدراستها.
المطلوب عمليًا هو إعادة تأهيل الأئمة والوعاظ، أو استبدالهم بمن هم أكثر تجاوبًا مع العلوم والفنون والنظريات العصرية وآخر ما يقع من مستجدات في هذه الميادين المعاصرة عالميًا، بما فيها ميادين السياسة والاقتصاد. لا بد أن يتضمن إعادة تأهيل الأئمة والوعاظ تثقيفهم بالعلوم والنظريات الحديثة والتاريخ الذي أصبح القوة المسيرة للعصر الحديث والإنسان المعاصر، وهو بوضوح التاريخ الأوروبي وما يتضمنه من أحداث عهد النهضة والإصلاح الديني وعهد العقلانية Rationalism والحركات الاجتماعية للقرن التاسع عشر، وعلى رأسها الثورة الصناعية. الاطلاع على أفكار علم النفس وعلم الاجتماع أمر أساسي في فهم المجتمع المعاصر.
مجتمعاتنا العربية المعاصرة لم تعد تقوم على التاريخ العربي، وإنما على التاريخ الأوروبي، فتاريخنا العربي لا يقول شيئًا عن الانتخابات والبرلمانات والدساتير وميزانية الدولة والتأميم والخصخصة والاقتراض الخارجي والاستثمار والتنمية وكل هذه المستجدات في الحياة المعاصرة التي نشأت وتطورت من أحداث المجتمع الغربي.
لفهم سلوك المواطن لا بد من فهم ما يقوله علم النفس وعلم الاجتماع والطب الحديث. ولا بد من فهم كيفية التعايش مع الأديان الأخرى والتناغم معها. وللتجاوب مع الشباب لا بد من تفهم تعلقهم بالموسيقى والفنون ومعاناتهم في كل الأمور الحياتية والتفاعل معهم بشؤونها ومستجداتها. وهنا تحتل مسألة تنظيم الأسرة، الموضوع الأساسي في أحوال مصر.
من منطلقات هذه الخلفية، يترتب على الواعظ أن يتعرض لمعالجة الأحداث اليومية المحلية والعالمية بما يؤثر على حياة البلاد والعباد، ولا يضيع وقتهم بأحداث ثانوية جرت قبل مئات السنين لا تثير غير الشقاق ولا تعتمد على أي وثاق غير القيل والقال.
وإذا راهنا على تحويل المساجد من منابر للإرهاب والتخلف، إلى منابر للتنوير والتسامح والتآخي، أفلا يمكن تكريسها بعين الوقت لمكافحة الأمية أيضًا؟ سيلقي ذلك أعباء ثقيلة على كاهل الأئمة الجدد، ولكنها ستكون رسالتهم المثلى في خدمة الإسلام والمسلمين. هناك حاجة عالمية الآن لهذا النوع من أئمة المساجد الجدد.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com