رحالة الصيف: بغداد التناقضات

رحالة الصيف: بغداد التناقضات

سمير عطا الله

بين 1922 و1936 قام الريحاني بثلاث رحلات إلى الجزيرة العربية، واضعًا ستة كتب عن انطباعاته بالعربية والإنجليزية، حاملاً قضية فلسطين والعرب إلى الرئيس روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ماكدونالد، مسافرًا محاضرًا عبر الولايات الأميركية، في حيوية لا مثيل لها.
أثارت عروبة الريحاني مشاعر بعض الفئات اللبنانية، فكتب في مقدمة كتابه «فيصل الأول»، يردّ بالقول: «يريب بعض الناس حبي للعرب وملوكهم واهتمامي الدائم لشؤونهم. وقد انتقدني نفر من الكتّاب فقالوا إن وطنك القريب لبنان لأحق باهتمامك من الوطن البعيد.. ولكنت مستحقًا مذمّاتهم كلها لو أن حبي للعرب أفقدني ذرة من حبي للبنان».
صدر «ملوك العرب» في جزأين عام 1924، وفيه رحلته إلى الجزيرة. ضم الجزء الأول رحلة الحجاز واليمن وعسير ولحج والنواحي المحمية. والثاني نجد والكويت وعربستان والبحرين والعراق. وقال إنه أراد من الكتاب أن يتعرف ملوك العرب وأمراؤهم على بعضهم البعض، وعلى بلدانهم. وأشار إلى أن الحكومة البريطانية وحدها تعرف كل شيء عن أحوال المنطقة من الزراعة والمياه والناس.
مثل الرحالة الكبار الذين سبقوه، لم يترك الأمين فاصلاً أو تفصيلاً إلا وضمّه إلى ملاحمه الوصفية: «لكل عربي بيته وعرشه. والسلطان عبد العزيز مثل كل أعرابي ينام على الفراش والسجادة في الليل، ويضعها تحت الكور في السفر. وهو لا يحمل شيئًا في جيبه، لا ساعة ولا قلمًا ولا ذهبًا ولا فضة. ربما لا يكون في ثيابه جيوب البتة. إلا أنه يحمل ساعة في خِرج عند السفر، ويضعها تحت الوسادة عندما يقيم في مكان، ويحمل كذلك ناظورًا كبيرًا لا غنى له عنه».
وكتب في «قلب العراق» مقارنًا بين رحلته الأولى والأخيرة إلى بغداد (1922 – 1932): «لا تزال شرقية واحدة، يتخلل بعض أحيائها شيء من اختلاط الشرق بالغرب. إنما قديمها كثير الأشكال والألوان، فيصح أن نرمز إليه بإله من آلهة الهندوس، روحه تبدو ولا تتوحد، في رؤوسه وفي أيديه المتعددة. هي الحوقلة والاستسلام، وهي الشغب والتمرد، وهي الورع والتقوى، وهي في هذا الزمن، النفط، وقد يصير النفط في المستقبل روحها الكيماوية العظمى».
الباخرة، الطائرة، الخيل، الجمال، القطار، السيارة، البغال، الحمير. تلك كانت جميعها رواحل الأمين في حياة الترحل في الأصقاع والأمصار. وذات يوم من صيف 1940 كان مع بعض أصدقائه في حديقة منزله في الفريكة، عندما مر بهم فتى يركب دراجة، فناداه وطلب منه استعارة الدراجة لنزهة قصيرة. وما إن بلغ منعطفًا وعرًا، حتى ضربته النوبة العصبية في يمناه، فعجز عن مواصلة السير، وهوى على الأرض مصابًا بالجروح والرضوض. ونُقل إلى المستشفى في بيروت. وأسلم الروح بعد أسبوعين.
إلى اللقاء..

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com