دراما الخيال الفقير

دراما الخيال الفقير

موسى برهومة

باستثناءات قليلة وشحيحة، مقابل طوفان الرداءة في البرامج الرمضانية، يُطلّ مسلسل أو اثنان، أو برنامج ونصف برنامج، يكشف أن القائمين عليه يحترمون وعي المشاهد، ويدركون أن عالم الأداء الدرامي وصناعة المسلسلات والبرامج أضحى متاحاً للناظرين والمستمتعين، الذين وفّرت لهم ثورة الاتصال أن يكونوا على مقربة من التحف الفنية العالمية مما أنتجته الشاشة الصغيرة والكبيرة على حدّ سواء، وبكل لغات الكون. ولو أنّ شخصاً، خالي البال، تابع ما عُرض على الشاشات العربية في «رمضان»، لما أدرك إطلاقاً أن «داعش» وأخواته عاثوا على مدار سنوات، ولا يزالون، في حياتنا قتلاً وتدميراً، وفي الدين تشويهاً، وفي احتقار الإنسان والحياة إمعاناً وتنكيلاً.

وإذ تخلو الدراما الرمضانية من مناقشة هذه المعضلة، أو مقاربتها بعمق، أو الالتفات إليها وتلمّسها، إلا في حدود ضئيلة وعابرة، فهذا يعني أن هناك ما هو مقدّم على هذا المرض العضال، وربما يعني أيضاً الغيبوبة المتواصلة للعالم العربي، الذي ما انفكّت دراماه منشَدَّة إلى القصص العاطفية الساذجة، والثرثرة الممجوجة، والحبكات البوليسية الفجّة، والكوميديا السمجة، والإبهار البصري الذي يُعمي العيون والعقول. ويتحمّل مسؤولية هذه «الجريمة»، الممثلون والمخرجون وشركات الإنتاج والمعلنون، وإدارات التلفزة العربية التي تؤدي دوراً كبيراً في تسويق الرداءة، ووضع شروط تلبّي المقولة البائسة ذائعة الصيت: «الجمهور عايز كدة».

واستطراداً، فإن الجمهور «العايز كدة» يتحمّل جزءاً وافراً من مسؤولية هذه الرداءة، لأنه يستهلكها بتلذّذ، ولا يُبدي أي امتعاض ضد الاستهانة المستمرة لوعيه، والإساءة الى وجدانه. فهو متسمّر، بعد وجبة إفطار دسمة، أمام الشاشة، يتجشأ عطالة ورخاوة وسأماً، ويمضغ ذهنُه كل ما يشاهده من دون تفحّص أو انتقائية، حيث أن الأخيرة لا تفضي إلا إلى عدم ورداءة. وعلى رغم احتجاجات على مواقع التواصل الاجتماعي ضد برنامج مختصّ بافتعال «مقالب» ضد النجوم والمشاهير، إلا أن البرنامج نفسه حقق جماهيرية ونسبة مشاهدة جعلتا المعلنين يتهافتون على وقت عرضه، ما يعني افتتان هذا الجمهور، غير المتجانس، بمَشاهد تقدّم آلام الناس ومخاوفهم وصرخاتهم وهم يتقيأون ذعراً على ارتفاع شاهق في طائرة تمثّل أنها تهوي، كي يظفر المشاهدون، وجلّهم من الأطفال، بابتسامات لا ترقى إلى الضحك أو القهقهة، لقاءَ مقلب مكرّر تتخلّله انتقادات شخصية لاذعة من مقدّم البرنامج تجاه من يستضيفهم، حيث يصل الأمر إلى الإساءة والشتيمة والتجريح، لكنّ الكل يخرج فرحاناً مبتهجاً، فقد قبض سلفاً مقابل أن يشاهده الناس وهو يشتم أو يصرخ أو يُظهر ما خفي في أعماقه وما بَطُن!

من يلوم من؟ ذلك هو السؤال الأهم. فالكل متواطؤ وشريك في صناعة الرداءة، والكل متّفق على تأجيل مواجهة القضايا المهمة، والمعضلات الشائكة، حتى ليظنّ المرء أن هناك خطة مبرمجة لتخدير الناس، وإقصائهم عن الشؤون الحائرة الممضَّة المتّصلة بمصائرهم، ومستقبل أبنائهم وأوطانهم.

ضاعت فرصة رمضانية لتقديم دراما عربية تشتبك مع هواجس الإنسان العربي، الذي لا يعلم أحد ماذا تكون عليه حاله في رمضان المقبل!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة