العصر الذي مات مع سعود الفيصل

العصر الذي مات مع سعود الفيصل
الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية

سليم نصار

عندما كانت حشود المواطنين السعوديين تتدافع حول جثمان الأمير سعود الفيصل في الحرم المكي الشريف مساء السبت الماضي كان الوفد الايراني في فيينا ينهي مفاوضات الملف النووي مع المجموعة الغربية.

وظهر بين مستقبلي الجثمان أمير دولة الكويت، الشيخ صباح الأحمد، الذي شارك الفقيد في المهمات الديبلوماسية الصعبة طوال ثلاثين سنة. علماً أن المغفور له الأمير سعود حمل لقب عميد وزراء خارجية دول العالم، كونه تخطى الرقم القياسي في الخدمة (40 سنة) الى حين تقاعده، في نيسان (أبريل) الماضي، لأسباب صحية. والثابت أن والده الملك فيصل كان الشخص الوحيد الذي تفوق عليه في هذا المجال بزيادة خمس سنوات فقط (45 سنة).

ويقول مؤرخو حقبة التأسيس إن الملك عبدالعزيز كان يجمع في مجالسه الخاصة أكثر من خمسة عشر مستشاراً عربياً ينتمون الى بلدان مختلفة. وفي كل مرة كانت البلاد تتعرض لأزمة داخلية أو خارجية، يقوم الملك بعرض الموضوع على مستشاريه بحيث يختار في النهاية المشورة التي توافقه. وهكذا بقيت مهمات السياسة الخارجية رهينة القرارات التي يصدرها.

عقب استقرار الدولة السعودية بحدودها الأخيرة، اضطرت الظروف العربية والدولية الملك المؤسس لأن يختار وزيراً للخارجية بهدف نقل مواقفه الى الدول الأخرى. ولم يجد أفضل من نجله فيصل يوكل اليه مسؤولية الواجبات الجسام. وبما أن الفتى فيصل لم يكن في حينه قد تجاوز الـ 13 سنة من العمر، فقد عيَّن له والده مساعداً بصفة مستشار خاص هو أحمد الثنيان. وكان ذلك في 19 كانون الأول (ديسمبر) 1930. وقد وجد فيصل في مستشاره المساعد المخلص الذي وظف خبراته السابقة في إسطنبول، واتقانه اللغتين الفرنسية والتركية، من أجل إنجاح مهمات أصغر وزير خارجية في العالم.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أطل الوزير الأمير فيصل على مرحلة جديدة من ديبلوماسية الانفتاح على الخارج دشنها بزيارة رسمية لباريس ولندن بغرض تقديم التهاني للدولتَيْن المنتصرتين.

ومنذ ذلك الحين اتخذ فيصل من لندن محطة سياحية له ولأفراد عائلته. وتشاء الصدفة أن يلتقي شاباً لبنانياً كان يسكن في العاصمة البريطانية هو جميل بارودي. ويبدو أنه اطمأن الى أدائه في الترجمة، بدليل أنه اختاره مرافقاً الى المؤتمرات الدولية. وبعد مرور فترة طويلة، عيّنه سفيراً للمملكة في الأمم المتحدة.

اشتهر جميل بارودي في أروقة المنظمة العالمية بأنه يتمتع بجرأة أدبية يصعب محاكاتها. والكل يذكر حادثة مداخلته في مواجهة خطاب المكابرة الذي ألقاه ابا ايبان عقب صدور قرار تقسيم فلسطين سنة 1947. قال ايبان: إنه لا بد من شكر «يهوه» – إله العبرانيين – لأنه «أعاد لنا الأرض الموعودة». عندها صرخ بارودي من مقعده في الجمعية العامة، بلهجة تحمل نبرة التهكم، وقال: لم أعرف أن يهوه كان يملك شركة عقارات وبيع أراض…

المهم أنه أثناء خدمة جميل بارودي كسفير في الأمم المتحدة، وجد نفسه مسؤولاً ومرشداً لأبناء الملك فيصل الذين تسجلوا في جامعة برنستون الاميركية، وبينهم الأمير سعود والأمير تركي. وقيل في حينه إن انتقاء هذه الجامعة كان بسبب وجود فرع يدرس اللغة العربية والتعاليم الاسلامية.

وحقيقة الأمر أن الاختيار خضع لمعايير أخرى تتعلق بنظرة المعلمين والطلاب الى أولاد الملك. خصوصاً أن الجامعة الاميركية في بيروت كانت الهدف المفضل لدى العاهل السعودي. ولكنه اكتشف، بعد الوقوف على آراء عدة، أن أولاده في بيروت سيُعاملون كأبناء ملك، بعكس جامعة برنستون التي تتعامل معهم كطلاب مجرّدين من صفات التبجيل.

وفي ضوء هذه الاعتبارات، التحق الأمير سعود بجامعة برنستون، حيث نال عام 1964 شهادة بكالوريوس في الاقتصاد. ولما عاد الى البلاد تولى منصب المسؤول عن العلاقات العامة في شركة «بترومين»، ومن ثم تم تعيينه عضواً في لجنة التنسيق العليا التابعة لوزارة النفط والثروة المعدنية. وبعدها جرى تعيينه وكيلاً لوزارة النفط والثروة المعدنية عام 1971، ولمدة خمس سنوات.

واللافت أنه كان المشرف على تنفيذ قرار والده الذي أمر بحظر الصادرات النفطية الى الولايات المتحدة بسبب الدعم الاميركي لإسرائيل إبان حرب العبور.

وصفه وزير خارجية بريطانيا السابق دوغلاس هيرد بأنه من أكثر الشخصيات الديبلوماسية حكمة وإدراكاً لمجريات الأحداث. وهذا لا يعني بالطبع أنه كان من أكثر الوزراء حضوراً في المحافل الدولية بقدر ما يعني أنه كان الممثل الوحيد للموقف العربي الموحد.

أثناء عمله في الخارجية، اجتمع الأمير سعود الفيصل بسبع رؤساء جمهورية للولايات المتحدة. ومن أصعب المهمات التي اضطلع بها، كانت مهمة ترميم العلاقات السياسية مع واشنطن بعد أحداث أيلول (سبتمبر) 2001، واتهام 15 سعودياً، من أصل 19، بتنفيذ العملية الانتحارية التي خطط لها أسامة بن لادن.

وقد دافع عن موقف المملكة بالقول، إن إرهاب «القاعدة» استهدف الأماكن الآهلة بالسكان، متوخياً من وراء ذلك ترويع العباد وزعزعة البلاد.

في آخر أيامه، كان حريصاً دائماً على تذكير العرب بأن خلافاتهم طغت على خلافهم مع أعدائهم. وكان بهذا الكلام يشير الى الاضطرابات الاقليمية التي فجرت الحرب العراقية – الايرانية، والاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 الذي أبعد منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وغزو العراق للكويت، وغزو الولايات المتحدة للعراق، وإنهيار المنظومة الاشتراكية الذي أدى الى بعثرة الاتحاد السوفياتي.

جميع هذه الأحداث وسواها كان للأمير سعود الفيصل دور في معالجتها. وقد شغلته الحرب الأهلية اللبنانية وقتاً طويلاً بحيث أنه اعتبر إتفاق الطائف من أنجح المبادرات التي تولى تنظيمها ومساندة العاملين على إنهائها.

قبل خمس سنوات تقريباً، جمع الدكتور عبدالرحمن الحمودي، في دراسة مستفيضة، كل المراسيم الديبلوماسية السعودية، ونشرها في ثلاثة مجلدات ضخمة. وبما أنه عمل كوكيل لرئاسة المراسيم الملكية، فقد حظي باهتمام عدد من أبناء الملك عبدالعزيز وأحفاده. وعندما طلب من الأمير سعود الفيصل أن يكتب مقدمة المجموعة، حرص على قراءتها وأمهله الى حين مراجعتها بالكامل.

ويقول الدكتور عبدالرحمن إنه الوحيد الذي اطلع على تفاصيل المصادر والدراسات، بحيث جاءت المقدمة معبرة عن فهم واسع لموضوع خبره مدة أربعين عاماً.

وفي آخر أيامه، سُئِلَ عن أوضاع الأمة العربية، فأجاب بشيء من السخرية والمرارة بأنها: «مريضة مثل جسدي المنهك». وكان بهذا الوصف الجارح يرسم صورة سوداء لمستقبل غامض.

وكما ورث الأمير سعود الفيصل الأثقال السياسية التي جُيِّرَت له بعد وفاة سلفه عمر السقاف، هكذا جيَّر الاتفاق النووي الايراني – الغربي متاعب المرحلة المقبلة الى خلفه عادل الجبير. وهي مرحلة بالغة الصعوبة كونها تمثل أهمية الانسجام والتوافق بين ما تصفه طهران بـ «الشيطان الأكبر»… وما تصفه واشنطن بـ «ثورة تصدير الارهاب»!

في إحدى زياراته الى الولايات المتحدة، سُئِلَ الأمير الوزير عن مصير الثورات أو الانتفاضات التي تزعزع أسس الأنظمة العربية، فأجاب:

– أتمنى أن تكون النتائج شبيهة بالنتائج الايجابية التي حققتها الثورة الاميركية، أي الاستقلال الناجز عن بريطانيا، وتثبيت السيادة الوطنية، بعكس ما أفرزته الثورة الفرنسية التي بدأت بقطع رأس النظام… وانتهت باستخدام المقصلة لقطع رؤوس المحرّضين من أمثال دانتون وروسبيير. ولم تتوقف إلا تحت سيطرة ديكتاتور يُدعى نابليون!

ويُستَخلص من هذا الكلام أن الأمير كان خائفاً من اختيار نموذج الثورة الفرنسية التي استلهمت رغبات الرعاع، واستمرت في ممارسة عمليات الانتقام – تماماً مثلما يفعل «القاعدة» و «داعش» – الى حين ظهور حاكم ظالم ينهي هذا الفصل المظلم من التاريخ العربي.

ومن المَثل على ذلك أن حظر صادرات النفط الى الولايات المتحدة، عام 1973، كان يُعتَبَر من أمضى الأسلحة وأكثرها ضرراً. في حين أن استخدام هذا السلاح في العصر الحالي يمكن أن يؤذي صاحبه. من هنا القول إن القرار الذي اتخذه مرشد النظام علي خامنئي قد يؤدي الى عكس ما يتصوره العرب، أي الى استدراج الشركات الأميركية للعمل في أجواء شبيهة بالأجواء التي سادت في عهد الشاه.

في آخر زيارة قام بها الرئيس العراقي السابق جلال طالباني لواشنطن، عرَّج على طهران بغرض الوقوف على رأي خامنئي من الولايات المتحدة. وفوجئ الزائر برأي المرشد الأعلى الذي أبلغه أن ايران مستعدة للانفتاح على الولايات المتحدة، شرط ألا تحاول إسقاط النظام الذي حققته ثورة الخميني.

وفهمت واشنطن فحوى الرسالة، تماماً مثلما فهمت فحوى الرسالة التي بعث بها فيديل كاسترو الى الرئيس باراك اوباما يقول له فيها: إن كوبا مستعدة لاستقبال الشركات الاميركية شرط ألا تُسقِط النظام الشيوعي الذي بنيناه طوال نصف قرن!

ومن المنطق الذي استخدمه ريتشارد نيكسون لاختراق سور الصين الشعبية، هكذا يفعل اوباما بهدف الانفتاح على أعداء الأمس!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com