حمّام تركي

حمّام تركي

سمير عطا الله

عندما كانت هذه تُسمّى الصحافة، كان الأمر مختلفًا حقًا. كان ثمة ضابط عريق قديم في شروط القلم والحبر. وكانت هناك قواعد كثيرة لا تُخالَف إلا قليلاً. منها احترام النفس، واعتبار الآخر، ومنها الخُلق، ولو حتى القليل منه، ومنها الحرص الوطني ولو الشكلي منه، ومنها تقليد الكبار ولو بقيتَ بعيدًا. كل ذلك كان يُختصر بكلمة واحدة: المستوى. أي المستوى في السلوك وفي المهنة. لأنك من دون مستوى لن تجد لنفسك مكانًا في النفوس، أو مكانة في مجتمعك. وكانت للصحافيين ألقاب: بيه، وباشا، وأستاذ، مع «ال» التعريف. وكانوا رفاقًا للملوك ومستشارين للرؤساء. وإذا دخلوا مجلسًا عاليًا أعلن عن وصولهم. مستوى.
اختلف الأمر كثيرًا عندما صار اسم هذا، الإعلام. صار كل حامل كومبيوتر، إعلاميا. وكل مُحمَّل حنجرة معبأة، إعلاميا. وكل حامل آيفون، مراسلاً. وهذا لا يعني أنه ليس بين حاملي الاسم الجديد من هو عَلمٌ. وهناك من هو أستاذ مع «ال» التعريف. وهناك من هو مهني تعتز به المستويات.
لكن الإعلام باب واسع ومشرَّع. يجلس بعض أدعيائه خلف الكاميرا وكأنه جالس في الحمام التركي. لا تعود تعرف إن كان البخار المتصاعد متصاعدًا منه أم من أنابيب الأرض ومواسيرها. يخاطب الناس كأنه يخاطب الدلاَّكين. يقول كل ما يخطر على باله كلما تصاعد البخار إلى رأسه. ينسيه العري أن الناس ترتدي الأثواب لكي تحفظ آدابها وتحمي لياقاتها وتستر نواقصها، وأن الدنيا ليست أبراج بابل التسعة.
الحمام التركي مضرب مثل. كل متعرٍ يقول ما يخطر له. وعلى كثرة المتقوِّلين لا يعود مهمًا ماذا تقول. ولا ماذا تسمع. وأحيانا أسمع إعلاميا يتحدث (بلا نهاية) فلا أصدق. لم أدخل مرة حمامًا تركيًا. لكن لا شك أن هذا الإعلامي أسوأ من مجموع الحمّام وزبائنه. وقد نصحني مرة أحد الأطباء بالحمام التركي، تخفيفًا لمشكلة الجيوب الأنفية، فقلت له إن آثار الجيوب الأنفية أنقى وأنظف.
طبعًا، لك دائمًا حرية إطفاء التلفزيون والاستعانة بأسرع «ريموت كنترول» توصلت إليه دوائر الفضاء في برنامج أبوللو. لكن هذا يحل مشكلتك، وليس مشكلة الإعلام. هذا لا يحل مأساة النماذج التي تؤثر على مستخدمي شبكات التواصل التي تحولت إلى شبكات شتم وفظاظات وسوقيات ولغة أزقة. التفاحة الفاسدة الشديدة الاهتراء لا تنتقي التفاحات التي تفسدها. لو رأت مدى اهترائها لقفزت بنفسها من الصندوق. لكن قليلي الذوق والأدب والخلق لا يعرفون أي عدوى ينشرون في النفوس الضعيفة، سريعة العطب. حمام تركي ينشر مستوى الحمامات.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة