العادات العلنية

العادات العلنية

سمير عطا الله

أوائل السبعينات قررت الحكومة اللبنانية إقامة نصب تذكاري للشيخ بشارة الخوري، أول رؤساء الاستقلال. وأوكلت العمل إلى نحّات معروف. وقبل إنجاز النصب ذهب نجل الشيخ بشارة يتفقد البرونزية الضخمة. تأمل، ثم تأمل مليًا، ثم تأمل من جديد، والتفت إلى النحّات بكل أدب قائلاً: هذا المنحوت لا شبه بينه وبين الوالد على الإطلاق. بكل هدوء وثقة في النفس قال الفنان المكلّف: «ما عليك. بكرا بتتعود عليه».
العادة طبع ثانٍ، يقال. اعتادت قبائل «الدنكا» في السودان أن تعمل لكي تدلل الرجل، واعتادت العيش مع الثعابين فدللتها أيضًا. وعندما خرج رجالها من الغابة ورأوا أن النسوة لا يحلقن شعرهنَّ تمامًا، قالوا فيما بينهم، القوم هنا جهال.
عندما عدت إلى لندن من لبنان إثر أول زيارة بعد الحرب، سألني الزميل سليم نصار عن انطباعي، فقلت، أخشى أن الناس تعوَّدت تقبّل الخطأ. صار التقاتل هو العادي، والمُقاتل هو الزعيم، والخوف هو الحياة، والمناقرة هي الخطاب. وبعدها بأشهر ذهب بدوره إلى بيروت. ولما عاد، قال لي، «لقد انقضى الأمر. تعودوا».
مرَّ على هذا الانطباع نحو ربع قرن. من يقرأ صحف لبنان اليوم كمن يقرأها قبل 25 عامًا. أو ثلاثين. ليس هناك عنوان هادئ. ليس هناك زعيم جديد. ليس هناك خطاب جديد. الجديد الوحيد أن الصراع الإسلامي – المسيحي أصبح شيعيًا – سنيًا. وأن الذين كانوا يموتون بمائة كيلو متفجرات أصبحوا يُقتلون بألف منها. وما كان خطابًا سيئًا أصبح خطابًا في قاع درك السوء.
لقد حدث خلل هيكلي جوهري عند نهاية الحرب: نسي اللبنانيون أن يغيِّروا الذين قتلوهم. كلفوا صاحب المدفع بأن يكون صاحب الدستور. وطلبوا السكينة والأمان من صانع المتفجرات. والذي مات اللبناني من أجلهم بالرصاص، صار يموت من أجلهم بالفراغ والاستسلام واللغو والهياج النفسي المرضي والمدمر أكثر من الحرب.
لم يسمح نادي المحاربين، المختوم بالدم الأحمر، لأحد بالظهور. دعاة السلم والوحدة والألفة والقانون، إما أُخرجوا بالقنابل أو بالسخرية والهزء والمحاصرة والتجاهل. اللبناني الذي كان يقول عن وطنه إنه «بلد الإشعاع» صار مصفّقًا تافهًا لمبشريه بالجهل. والبلد الصغير الذي شارك الدول الكبرى في وضع شرعة حقوق الإنسان وتأسيس الجامعة العربية، وكان أنشط العرب في محاربة قرار التقسيم عبر سفرائه حول العالم، عاجز اليوم عن الاتفاق على سفير في أي عاصمة، بما فيها الكونغو، بضفتيه. العادات السيئة لا تزول إلا بصعوبة. زعماء اللبنانيين يعدونهم بالاعتصام، ويحاكونهم بالبذاءة والسفاهة، ويطمئنونهم إلى أن الحكمة في الخراب. إياكم أن تغيروا عاداتكم، لئلا تتغير عوائدهم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com