احذروا هدايا الإغريق

احذروا هدايا الإغريق

خالد القشطيني

هذا مثل شائع بين الإنجليز وربما بين الغربيين عموما، فله تاريخ عريق يعود لما جاء في ملحمة الإلياذة عن حرب طروادة. قيل إن هذه المدينة المحصنة استعصت على اليونانيين، فخطرت حيلة لهم تمكّنهم من الدخول فيها واقتحامها. صنعوا حصانا ضخما من الخشب أخفوا فيه عددا من الجنود الأشداء ثم تركوه على الشاطئ وأبحروا بسفنهم. رأى ذلك أهل طروادة فتصوروا أن الإغريق يئسوا من الحرب وعادوا لبلدهم تاركين هذا الحصان هدية لهم. حذرتهم ابنة الملك، كساندرا، وقالت لهم احذروا من هدايا الإغريق! ولكنهم لم يعبأوا بنصيحتها. فرحوا بالهدية، فأدخلوه المدينة. ما إن أخلدوا للنوم، حتى نزل الجنود الإغريق من الحصان، قتلوا حرس البوابة وفتحوها لجيشهم الذي اقتحم عندئذ المدينة وسبى أهلها. وأصبحت كساندرا مثلا آخر يضرب عمن يعرف الحقيقة ولكن لا أحد يسمع له، تماما مثل زرقاء اليمامة في أدبنا العربي.
هكذا شاع القول: احذر أي هدية من اليونانيين! يقال عن أي هدية تصل إليك من غرباء لا تعرفهم. وارتبط مثل آخر بهذه الحكاية؛ «حصان طروادة». يقال عن أي شخص أو شيء تعتبره بريئا وسليما ثم تكتشف أذاه وخطره. ذكره أحد المسؤولين الإنجليز في وصفه لأولاد المسلمين في المدارس. قال إنهم حصان طروادة للإرهاب الإسلاموي. ومنه شاع القول في إنجلترا الآن عن حصان طروادة الإسلاموي.
تعبر الكثير من الأساطير والأدبيات عن نفسية الشعب. تجد الكثير من مشاعر وأفكار العراقيين مثلا في ملحمة غلغامش السومرية، وكثيرًا ما أجد روح هذه الفذلكة اللوذعية في سلوك اليونانيين كأفراد، حتى قيل إن كل أرمني واحد يساوي عشرة يهود، وكل يوناني واحد يساوي عشرة أرمن!
ومن هذا المنطلق دخلت اليونان الاتحاد الأوروبي ومجموعة اليورو بتقديم أرقام لوذعية غير صحيحة عن وضعها الاقتصادي خدعت الأوروبيين، فأدخلوها في منطقة اليورو، فاستطاعت الحصول على كل هذه المليارات من العملة في قروض لا تستطيع سدادها! بعبارة أخرى كانت بمثابة حصان طروادة في اقتحام منطقة اليورو. حصان طروادة الثاني!
بيد أن اليونانيين واجهوا في هذه المرة كساندرا مختلفة تماما عن كساندرا الماضي. ولسوء طالع اليونانيين جاءت كساندرا هذا اليوم من عنصر جرماني رصين، ألمانية من ألمانيا الشرقية تطوعت على الحذر من أي شيء. وهكذا قضينا أياما وأياما طوالا نسمع بمقترحات جديدة ووعود خلابة من الحكومة اليونانية، والسيدة ميركل تهز رأسها وتقول لأصحابها من مجموعة اليورو: احذروا من هدايا الإغريق. عليهم أن ينفذوا كل ما نطلبه منهم وإلا فلينسحبوا.
أكتب هذه السطور وأنا أترقب بشوق وفضولية ما سينتهي إليه هذا الحصار الطروادي الجديد من نتيجة ستؤثر على كل دنيا الاقتصاد العالمي.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com