اليونان والرجل الفقير

اليونان والرجل الفقير

خالد القشطيني

الرأسمالية مجتمع استهلاكي تنتج بضائع مغرية وتحث الجميع على شرائها. وعندما لا نملك ثمنها يحثوننا على الاقتراض. تتراكم الديون والأقساط علينا فنعسر. وعندئذ تحصل الأزمة الاقتصادية وتفلس البنوك والشركات، وهو ما حصل مؤخرًا. فالبنوك لا يهمها غير عقد القروض وتلقي فوائد، وكثيرًا ما تفعل ذلك دون التحقيق الكافي في قدرات المقترض وجدارة المشروع.
هذه مشكلة من مشكلاتنا. لم يعد الفقير يقنع بفقره. والرأسمالية تحثه على اقتناء هذه البضائع المغرية. يضطر للاقتراض فوق قدراته ويعسر فيضطر للسرقة والجريمة والفساد والبغاء والثورة والإرهاب.
تجد في الغرب العمال والضعفاء يقتنون بضائع فوق مستواهم، ولم لا وقد علمناهم على المساواة، أن يعيشوا على مستوى الموسرين؟ فيشترون كل شيء بالأقساط. وقعت اليونان في هذا المطب. الاتحاد الأوروبي مائدة للأغنياء. ولكنهم تعطّفوا فسمحوا لهذا الشحاذ أن يجلس معهم. واليونانيون اعتبروا أنفسهم أوروبيين، وبالتالي يستحقون أن يعيشوا كما يعيش بقية الأوروبيين المترفين. سعوا لتحقيق ذلك بالاقتراض، فتراكمت الديون عليهم. هذا هو المطب الذي كثيرًا ما يقع فيه الاشتراكيون، يحاولون إعطاء مستوى أعلى للجميع، فيضطرون للاقتراض فتتراكم الديون على الدولة وتفشل الحكومة الاشتراكية. كثيرًا ما وقع حزب العمال البريطاني في هذا المأزق.
حلّ الآن موعد تسديد الديون فلم تجد اليونان ما تسدد به غير أن تطلب المزيد من القروض لتسدد بها قروض الأمس! بدت لهم بمثابة شحاذ ويشارط! خسرت الثقة بكفاءتها وقدرتها على التسديد. فطالبوها بتصحيح وضعها بالشد على البطون وتقليص النفقات، أي بخفض مستوى معيشتها، وهو أمر صعب على أي حكومة ينتخبها الشعب لرفع مستواه لا لخفضه.
ما كان على الغربيين أن يفهموه هو أن اليونان دولة أوروبية جغرافيًا فقط. فهي اقتصاديًا دولة من دول الشرق الأوسط الفقيرة. ما قدموه لها بالأمس من قروض كان يجب أن يقدم لها كمنح من نوع المساعدات التي تقدم للشعوب الفقيرة. واليونانيون يستحقون ذلك، فالعالم كله مدين لهم، إنهم هم الذين علموا العالم على الديمقراطية والعقلانية والعلمانية، ووضعوا أسس العلوم والرياضيات وكل ما ساعد الغرب على الوصول لهذا الازدهار.
المشكلة هي مشكلة النظام الرأسمالي، مشكلة الحسناء التي تغري العالمين بحسنها وتوقعهم في شباكها. تحث العالم على الترف والصرف والاستهلاك الذي يجره للاقتراض والوقوع في مطب الديون.
بيد أن الشعب اليوناني أصبح هدفًا للنقاد الآن. يتهمونهم باللامسؤولية والأنانية واللاإنتاجية والكسل واعتماد الغش. كيف لا وقد غشوا الآخرين بتقديم أرقام كاذبة عن وضعهم الاقتصادي فأدخلوهم في مجموعة اليورو. مكنهم ذلك من الاقتراض فوق قدراتهم. التهرب من دفع الضرائب ظاهرة شائعة ساهمت في إفلاس الدولة. ما يقرب من نصف السكان لا يدفعون تبعاتهم للحكومة. تهريب الأموال للخارج ظاهرة أخرى والفساد والرشوة شائعة.
لا أدري إن كان ضم اليونان لمائدة الأغنياء قد تأثر بأنفاس الاشتراكية الأوروبية، إن كان الأمر كذلك فليتحمل الأغنياء تكلفة الصدقات والمساواة. بغير ذلك ستواجه أوروبا بحرًا هائجًا من المشكلات والاضطرابات.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com