العنوان هو الإتقان

العنوان هو الإتقان

سمير عطا الله

يمرّ أي خطاب يلقيه الرئيس الأميركي على خمسة أشخاص قبل أن يصل إلى الرئيس. ويمر أي مقال ينشر في «نيويوركر» على خمسة مراجعين ومدققين قبل أن يرسل إلى الطبع. لذلك، لا وجود في المجلة لزاوية «تصويبات» التي تشكّل ركنًا أساسيًا كل يوم في صحيفتي «نيويورك تايمز» و«الغارديان».
«نيويوركر» طقس أسبوعي أكثر مما هي مجلة. أشهر كتّاب أميركا مروا بها، لكنهم جميعًا خضعت نصوصهم للمراجعة والتنقيح والتوضيح. النقطة والنقطة الفاصلة، والفاصلة وبداية الفقرة. المأخذ غير مسموح به منذ أكثر من 70 عامًا. لعلها أقدم وأهم حزب أدبي في أميركا. ولا مثيل لصيغتها في أي بلد أنجلوسكسوني أو غيره. لا في بريطانيا ولا في فرنسا ولا في ألمانيا. الكاريكاتير والمقال والتحقيق والنقد الذي يظهر في «النيويوركر» لا يظهر في سواها. الجهد والوقت والمال الذي يُصرف على كل عمل، لا مثيل له في الصحافة الأخرى.
منذ خمسين عامًا وأنا أيضًا أقرأها بشكل طقسي. وأقرأ معظم الكتب التي تحمل مختاراتها عبر السنين. وأعتقد أنني لم أصب بخيبة مرة واحدة. ما ندمت على وقت أو على ثمن. وإذ تكافح الصحافة المطبوعة من أجل البقاء، يستمر هذا المتحف الأسبوعي من الرسوم والأفكار، في الازدهار والتألق. تأخذك إلى أماكن وقضايا لا تأخذك إليها أي مطبوعة أخرى. «تحقيق» واحد قد يستغرق ثمانية أشهر، أو عامًا، وأحيانًا، أكثر من عام. يجب التأكد من أنك لن تقرأ مثله إلا في هذه المجلة التي تبدو مثل جامعة يتخرج فيها كبار الكتّاب. عندما تقرأ كتّابًا كبارًا مثل جبران خليل جبران أو أمين الريحاني، تعرف أن نصوصهم لم تمرّ قبل النشر على «مدير تحرير» جيد. كان كلاهما ضعيفًا في اللغة رغم عبقريته. لكن المجلات التي كانا ينشران فيها في المهجر، كانت بعيدة عن المعاهد والمؤسسات الكبرى في مصر، أو عن اللغويين اللبنانيين. وقد أفاد ذلك في نشوء لغة سهلة حداثية وخالية من السجع والتكرار. لكن أيضًا بعض الضعف ظهر في التعبير، وليس في النحو. كمثل قول الريحاني إن البدوي «يرتدي» كوفية وعقالاً، وليس يعتمر. وفي صحافة اليوم، يتردد دومًا أن الرجل «يرتدي» حذاء، وليس ينتعل. هل هو خطأ جلل؟ لا. لكنه خطأ. والخطأ، صغيرًا أو كبيرًا، غير جائز. كانت تدور في «النهار» لسنوات نقاشات حول أيهما الأصح: «أحال إلى» أم «أحال على». الأفرقاء أم الفرقاء. سائر الناس أو كافة الناس أو الناس كافة.
هذه، في رأيي، ليست أخطاء في التعبير. ولن يحدث شيء إذا كانت «كافة» في بداية الجملة أو في نهايتها. فاللغة، في نهاية الأمر، هي الإنسان. وإنسان اليوم لم يعد يستخدم 5 في المائة من تعابير الجاهلية، لكنه لا يزال يتحدث اللغة نفسها في عصر آخر. على أن الإتقان، في كل الحالات، هو العنوان.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com