الحاجة إلى مبادرة عربية لحل أزمات المنطقة

الحاجة إلى مبادرة عربية لحل أزمات المنطقة

راغدة درغام

توجد حالياً فرصتان تستحقان الدعم لأن لا مجال لسياسات بديلة عمَّا تقدمانه في ليبيا واليمن برعاية الأمم المتحدة.

ما وصلت إليه الأمور في هذين البلدين – وكذلك سورية – يفرض إجراءات آنية بغض النظر عمّن هو الغالب والمغلوب ومَن أصاب أو أخطأ. المبعوث الأممي إلى سورية ستيفان دي مستورا ما زال يبحث عن آلية لتنفيذ آلية بيان جنيف الذي أجمع كبار أعضاء مجلس الأمن عليه ثم تملّص بعضهم منه ويقضي بحكم انتقالي يضم النظام والمعارضة يؤدي لاحقاً إلى انتخابات.

ما زال دي مستورا يعتقد أن لا مناص من الإقرار بالدور الإيراني في سورية. دي مستورا يقبع الآن في ظل المفاوضات النووية مع إيران ليدرس خطواته الآتية على ضوء نتيجة المفاوضات وتداعيات انهيارها أو تتويجها بالنجاح على الساحة السورية وكذلك العراقية واللبنانية واليمنية.

المبعوث الدولي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد، يسعى وراء هدنة إنسانية تفسح المجال لمفاوضات سياسية وجهوده تشكل اليوم فرصة يجب التقاطها. فما وصلت إليه المأساة الإنسانية في اليمن بتصنيف الأمم المتحدة لها في «المستوى الثالث» – أعلى مستويات الأزمات الإنسانية – يتطلب من الدول الكبرى فرض وقف النار وإيفاد قوات دولية إلى اليمن كما يتطلب من التحالف العربي فسح كامل المجال للأمم المتحدة لضخ الأموال بأرقام ضخمة وبسرعة كبرى منعاً للمجاعة في اليمن وللحؤول دون «صوملته» و «أفغنته» مما سيرتد على الجميع. فاليمن اليوم في حالة انهيار ولا مناص من قرارات سياسية واقتصادية جديدة وجريئة توقف الانزلاق إلى الحرب الأهلية التي حلّت مكان الحرب الاستباقية في اليمن. أما في ليبيا، فهناك مؤشرات بنجاح جهود المبعوث الأممي، برناردينو ليون، التي جددت مصر دعمها لها وحض مجلس الأمن بالإجماع عليها.

فلدى المبعوث الدولي المسودة الخامسة للحل السياسي التي بدأ العمل عليها منذ 9 شهور، وهو يرى انه «إن تم الاتفاق عليها، فإنها سترسم الطريق لحكومة الوحدة الوطنية» أساسها الكفاءة وتكافؤ الفرص وذلك مع الاتفاق على وقف النار ونزع سلاح المجموعات المسلحة وانسحابها من المنشآت النفطية والمدن. إنجاح هذا الاتفاق يتطلب مواقف دولية وعربية جدّية وصارمة، وإلاّ فإن الأمر سيتطلب حسماً عسكرياً – في وقتٍ ما – قبل أن تتحول ليبيا إلى دولة فاشلة كلياً تسيطر عليها الميليشيات والتنظيمات الإرهابية.

لنتوقف قليلاً عند ما أعلنته الأمم المتحدة وهيئات الإغاثة بتصنيفها الأزمة الإنسانية في اليمن في المرتبة الثالثة وبأرقام مذهلة: أكثر من 21.1 مليون يمني، أي 80 في المئة من السكان، يحتاجون الآن إلى مساعدة إنسانية، ويواجه 13 مليوناً أزمة أمن غذائي، ويفتقر 9.4 مليون إلى المياه الصالحة للشرب ما يرفع مخاطر الأمراض المتعلقة بقلة المياه بما فيها الكوليرا. انتشار عدوى الملاريا والحمى في جنوب اليمن وفي المناطق المحاذية للحدود السعودية. النظام الصحي مهدد بالانهيار بعد إغلاق 160 مركزاً طبياً بسبب الوضع الأمني والافتقار إلى الوقود والإمدادات الأساسية الأخرى.

الناطق باسم الأمين العام، فرحان حق، شرح أن المرتبة الثالثة هي الأعلى في تصنيف الأزمات الإنسانية على غرار الوضع في سورية والعراق وجنوب السودان، وهو «ما يتطلب استجابة أكبر وأسرع من هيئات الإغاثة والمانحين لتلبية الاحتياجات الطارئة للوضع الإنساني في اليمن»، بحسب قوله.

الأمين العام بان كي مون وصف ما يحدث في اليمن بأنه «كارثة إنسانية». وقال أيضاً أن نحو 3 آلاف يمني قتلوا خلال الأشهر الثلاثة الماضية نصفهم من المدنيين وأن أكثر من مليون أُجبروا على ترك منازلهم وأن معظم من هم في حاجة إلى المساعدة الإنسانية لم يتلقوها بعد.

الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي كتب إلى بان كي مون، أن الميليشيات الحوثية «قصفت ميناء عدن عشوائياً» بهدف منع تفريغ حمولات سفن المساعدات الإنسانية» ما أدى إلى خروج السفن وتحويلها إلى ميناء الحديدة الواقع تحت سيطرة الميليشيات. قال أن على الأمم المتحدة «ممارسة كل الصلاحيات لحماية الإمدادات الإنمائية والطبية وتوفير الظروف الضرورية لإغاثة المدنيين في عدن ولحج وتعز والضالع الذين يتعرضون لكارثة إنسانية على أيدي ميليشيات القتل والإرهاب».

رأي الأمم المتحدة هو أن على الأطراف اليمنيين كلهم الاتفاق «بالحد الأدنى» على هدنة فورية حتى نهاية شهر رمضان من أجل إيصال المساعدات الإنسانية، وان لا مجال لحسم عسكري في اليمن.

مجلس الأمن أيضاً يلوم كل الأطراف وهو يبدو بصدد التملص من قراره 2216 الذي وضع خطة طريق إلى الحل السياسي بشروط لم تعد متوافرة سياسياً وتعدتها التطورات ميدانياً. ولذلك بات من الضروري عدم التحدث بلغة الاشتراط والإصرار لأن الحرب في اليمن التي بدأت حرباً استباقية تحولت إلى حرب أهلية، ولأن لا استعداد لدى التحالف العربي لنقلة عسكرية نوعية تتطلب تصعيداً ميدانياً وتأمين المدن الرئيسية. ولأن اليمن على وشك التحوّل أيضاً إلى وكر لدبابير «داعش» و «القاعدة» ستلدغ كل من له يد في اليمن، يجب ضخ الأموال للإغاثة الإنسانية ولمنع الانهيار الاقتصادي لأنه سيُولد آلاف الدبابير «الداعشية» الجاهزة لتوسيع رقعة عملياتها في الدول المجاورة لليمن وأبعد.

لن ينجو الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح من دبابير «داعش» و «القاعدة» مهما تهيّأ له من أوهام انتصاره في اليمن. فهذا رجل اتخذ قرار نحر بلاده وتحويل اليمن إلى أفغانستان وصومال كي يعود إلى السلطة، وسيدفع الثمن. والتاريخ سيشهد للحوثيين بالسذاجة والغباء وهم يحولون اليمن إلى دولة فاشلة جاهزة لاستغلال «داعش» و «القاعدة» فيما يعتقدون أن تحالفهم مع إيران ومع علي عبدالله صالح هو إنجاز.

أما «الحرس الثوري» الإيراني الذي نصب نفسه «رامبو» في البلاد العربية، فهو بدوره يحفر قبراً لنفسه في اليمن كما حفر في سورية قبراً له وللشعب السوري. فهذه البلاد «فيتنام» له.

الخليجيون قلقون على العراق ويرون أن «الجيش العراقي مفكك ويحتاج إلى انخراط القوات الأميركية من التخطيط إلى التنفيذ». وبحسب أحد الضالعين في السياسة الخليجية يخشى الخليجيون من قيام إيران بمحاربة «داعش» في العراق، لكنهم لا يتقدمون ببديل فعلي وعملي. ولقد حان لهم الانخراط في ورشة فكر تتطلب منهم الإجراءات بدلاً من الاكتفاء باستدعاء مساعدة الآخرين.

الخليجيون محتارون إزاء النقاش التركي الدائر حول سورية والعراق ولا يعرفون أن كانت تركيا تنوي ضرب الأكراد، لأن ضرب تركيا للأكراد يخدم «داعش»، من وجهة نظرهم، فيما انتظار الكرد لإنشاء مناطق آمنة محظور الطيران فيها سيطول. يعتبر الخليجيون أن كل هذا يحدث بسبب العجز الأميركي ويقول احدهم «لا أداة في أيدينا». غير انه ما عليهم سوى الجلوس جدياً إلى طاولة رسم الاستراتيجيات لأخذ الأمور بأيديهم بدلاً من الأنماط التقليدية عندما كانت العلاقة الأميركية – الخليجية غير ما هي عليها الآن.

أزمة الثقة الخليجية – الأميركية جدية لم تصلحها قمة كمب ديفيد التي دعا إليها الرئيس باراك أوباما. البعض اعتقد أن التحوّل باتجاه روسيا سيوقظ واشنطن فأتى الرد الروسي تماماً على نسق شخصية الرئيس فلاديمير بوتين. قال الروس إن علاقاتهم طيبة مع جميع دول المنطقة ودعوا إلى حلف ضد الإرهاب بدلاً من إسقاط بشار الأسد من الحكم في سورية.

روسيا لن تفرط بإيران مهما قيل عن اختلافات تكتيكية معها في شأن سورية. كلاهما تحالف مع الأسد بقرار منه، وهذه ليست المرة الأولى التي ترتفع فيها أصوات تشير إلى أن روسيا متورطة في سورية بفعل إيراني. فالمسألة الأكبر لروسيا بوتين هي «بونانزا» الاستفادة من رفع العقوبات عن إيران التي لروسيا علاقة تحالفية معها بغض النظر عن هويتها الإسلامية، ففي حال تم التوصل إلى اتفاق نووي أم لم يتم، موسكو جاهزة للاستفادة الاقتصادية الضخمة من إيران.

أما الرئيس أوباما فإنه ما زال متأهباً لإنجاح المفاوضات النووية مع إيران. الفارق الذي طرأ في الأسابيع الماضية هو أن أوباما ختم التركة التي سيذكرها له التاريخ كرئيس للولايات المتحدة وذلك بعد قراري المحكمة العليا الأميركية اللذين وافقا سياسة إدارة أوباما: الضمان الصحي «أوباما كاير»، وشرعية الزواج المثلي. هذا اضافة الى موافقة مجلس الشيوخ على اتفاقات التجارة الحرة مع آسيا عبر المحيط الهادي – وهو انجاز ضخم. ثم هناك اجراءات التطبيع وتبادل فتح السفارات مع كوبا، وهو بدوره حدث تاريخي أيضاً.

قد تكون هذه الإنجازات حافزاً لإصرار الرئيس الأميركي على تتويج سيرته وتركته الأوبامية التاريخية بالاتفاق النووي مع ايران بأي ثمن كان، وقد تكون دافعاً له للتمسك بمواقفه التفاوضية وعدم تعريض نفسه لتهم التفريط بالمصلحة الأميركية العليا. هذا سيتبين في غضون أسبوعين، كما يقال الآن. لكن الأسبوعين الماضيين رفعا معنويات أوباما وكذلك معنويات قاعدته الشعبية.

سيحصل شيء ما وسيحدث تغيير ما على السياسة الأوبامية نحو أزمات الشرق الأوسط في حال تم التوصل الى الاتفاق النووي مع طهران أو لم يتم. فمثل هذا الحدث له وطأة في أي حال انتهى إليه.

من المفيد للقيادات العربية والخليجية بالذات، اتخاذ التدابير ورسم الاستراتيجيات لأي من الحالين: النجاح أو الإخفاق. فلم يعد مجدياً التذمر من السياسة الأميركية أو إعادة المياه إلى مجاريها. وما تتطلبه أوضاع منطقة الشرق الأوسط هو البدء بعدم التعايش مع الكارثة الإنسانية في اليمن وسورية والعراق وجنوب السودان، فهناك حقاً أدوات لدى القيادات العربية وقد حان زمن استخدامها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com