عويل المصلّين

عويل المصلّين

سمير عطا الله

لا شك أنكم رأيتم هذا المشهد مرة واحدة ولو على التلفزيون: النعاج تلحق راعيها إلى المروج مغتبطة مهرولة أمامه. لكن في اللحظة التي يسوقها إلى الذبح، تروح تقاوم. يشدها بقرنيها بكل قواه، فتقاوم بكل قواها، ويتحول ثغاؤها الوديع إلى صراخ واعتراض وعويل.
تدرك النعجة بحاستها أن المرعى لم يكن سوى خدعة ومقدمة للذبح. وأنها لم تسمَّن بالعشب الطري كرمًا لعينيها، بل استعدادًا للإفادة من لحمها وعظامها وجلدها. مفجر مسجد الإمام الصادق في الكويت، نقله راعيه في سيارته. وسمنوه بالمتفجرات الناسفة. وتركه الراعي لموته ولقتلاه، ومضى في هدوء إلى منزله ليتتبع أخبار المجزرة بالبث المباشر.
لم يدرك المفجر العبقري ما يدركه الخروف بغريزته، بأن الراعي هو الخديعة. لأن الغريزة صافية، أما ما تُحشى به العقول المريضة من سموم وشهوات إجرامية وغيبوبة إنسانية، فتفقِد الإنسان حواسه السليمة وتعطّل فيه مادة العقل وتخدّر خلايا الفكر وتزيّن له الذبح مرعى ومرجا.
هذا يفسر أن صاحب مجزرة تونس كان مدمنًا على الحشيش، وملفه لدى الشرطة ملف حشاش. وفي الأخبار أن تونس أغلقت 86 مسجدًا. وهذا خطأ في التعبير. المساجد لا تُغلق. لكنها أوقفت 86 رجلاً لا يفرّقون بين حرمة المساجد وحرمة الأرواح وحرمة الدين وحرمة الحياة.
لم يكن مسجد الكويت الأول الذي يُفجّر بمصليه. ولا كان فندق سوسة. ولا مصنع فرنسا. خط الدماء واحد وواضح: الأبرياء والعزّل. الناس الذين لا تعيرهم الأخبار أهمية كبرى. ركاب القطارات في مدريد، وباعة العربات في بغداد، والسياح في مصر أو تونس الذين يأتون بلا أسماء ويقتلون بلا أسماء. قاتل سوسة حقق في لحظة ما لم يتحقق في سنوات: أغلق باب السياحة فورًا، وضرب الدخل الوطني، وهدم صورة الصمود التونسي في وجه العنف المريض.
هذه سياسات ينفذها خرفان المجازر، لكنهم لا يرسمونها. الرسم يحتاج إلى وظائف دماغية أكثر خبثًا ولؤمًا وتشبعًا بشهوة القتل. المنفّذ حالة مرضية رخوة. وعاء تعبِّئُه بما تشاء. أما المخطط، فهو باحث جدي في بطون الشر وحلكة العدم. الأول وسيلة محصورة الهدف: قنبلة موقوتة تحمل إلى مكان التفجير وتنفجر في حاملها الذي انتهت صلاحيته معها. أما المخطط، فعليه أن يبحث عن مساجد أخرى، وضحايا أخرى، وخرائط أخرى، وخرفان أخرى محشوة قتلاً وفتنة وعدما.
وعادة يكون ضحيته من نوع بائس المجزرة التونسية. فقير معدم يحب الرقص والحشيش، فيوعد بالخدر الأخير والرقصة الأخيرة. وقبل أن يفجّر حزامه، يُسحب منه مفتاح الجنة ليُعطى لآخر في الانتظار. طويل عذاب العرب.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com