انتهازيون بلا حدود

انتهازيون بلا حدود

زياد الدريس

عدونا الأكبر هو (الانتهازيون بلا حدود).

الانتحاريون يدفع بهم تجار الدين، وتجار الدين يدفع لهم تجار الأسلحة!

بهاتين العبارتين ختمت مقالتي الأسبوع الماضي، على نية العودة إليها في مقال اليوم.

في التفاصيل، يجدر القول أن الفئات الانتهازية الأكثر نشاطاً في عالمنا الآن هي: تجار الدين وتجار الأسلحة… وتجار الإعلام.

يختبئ تجار الدين خلف العاطفة الروحية للناس، ويختبئ تجار الإعلام خلف الشغف المعرفي المهيمن، ويختبئ تجار السلاح خلف السياسيين المتلوّنين.

يستطيع كلٌّ من عناصر هذه الفئات الاختباء خلف الستارة المظلّلة/ المضلّلة لأعماله ومقاصده المشينة. لكن، بلا شك أن تجار السلاح هم الأكثر مهارة وحرصاً على الاختباء، على رغم أنهم الأكثر إضراراً والأكثر تربّحاً. ولنا أن نتذكر دوماً فضائح شبكة تجارة الأسلحة الأميركية التي دفعت باتجاه ضرب أفغانستان، ثم العراق تحت ذرائع إنسانية وأمنية تبيّن لاحقاً كم كانت واهية ورخيصة رغم فاتورتها الباهظة!

لم نعد في حاجة إلى الانتظار ثلاثين أو خمسين عاماً حتى يتم الإفراج عن الوثائق السرية بمعلوماتها المخزية عن دوافع الحروب التي أُشعلت باسم الإنسانية والعدالة ونصرة المظلوم، فيما أظهرت الوثائق أن الدوافع الحقيقية للحروب هي لمنافع وحوش رأسمالية من تجار الأسلحة واستحقاقات انتخابية لسياسيين يمثّلونهم.

تجار الدين لم يتورعوا عن الانخراط في دوامة الرأسمالية هذه التي لا تُبقي من القيم ولا تذر. أصبحت لديهم القابلية للاستجابة لأي فكرة مربحة باسم الدين، كمية مواعظ تنهال على المتلقي بالساعة وبالدقيقة، بحيث تتم مطاردة الإنسان عبر كل منفذ إعلامي بالمواعظ البلاستيكية المتتالية، حتى تغدو الموعظة بلا تأثير أو مردود سوى كسب الظهور والنفع، متناسين الهدي النبوي: «كان صلى الله عليه وسلم يتخوّلنا بالموعظة».

أما تجار الإعلام، ولا أعني بهم مالكي القنوات الإعلامية فهؤلاء تجار من دون مواربة، بل المحليين السياسيين وخبراء الشؤون العسكرية والمختصين بالتوجهات الأيديولوجية، الذين يبنون تحليلاتهم لا بناءً على الوقائع المتوقعة، بل الوقائع المرغوبة. حتى إذا تفاقمت الأوضاع ولم تتحقق الرغبات حمل الإعلامي – التاجر حقيبته وأوراقه (الفكرية) وذهب إلى قناة أخرى تتواءم مع الوضع الجديد.

هؤلاء الانتهازيون لا تضيق صدورهم كثيراً، مثل عامة الناس، بارتباك الاستقرار السياسي أو اختلال الحالة الأمنية، كما لا يؤسفهم توتر الأوضاع أو نشوب الاشتباكات المسلحة، كما لا تفرحهم كثيراً أخبار الوئام بين الفصائل والسلام بين الشعوب، لأنهم يعرفون أن السلام لا يؤكل عيشاً… فهو مثلما يعضّ الكلب رجلاً!

ليس جديداً وجود الانتهازيين، فقد ظل تاريخ البشرية في أسوأ منعطفاته وأحلكها رهناً بتحركات ومراوغات انتهازية عصفت باستقرار الأوطان ووداعة الشعوب، لكن تغوّل الرأسمالية واحترافيتها الآن في مزاولة نشاطاتها وآلاعيبها جعلتنا أمام انتهازيين جدد… انتهازيين بلا حدود.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع