اقلب صفحة.. وعُدْ للعهد الملكي!

اقلب صفحة.. وعُدْ للعهد الملكي!

خالد القشطيني

أمام الفشل الذي يحيط بدولة العراق، كما سبق وفصلت، وأمام الحيرة التي تواجه العبادي في إنقاذ البلاد، أتمنى لو أنه قلب صفحات الكتاب وعاد بضعة فصول إلى سجل العهد الملكي في الخمسينات، الخمسينات الذهبية كما يسميها العراقيون. لماذا اخترت ذلك الفصل كوصفة صالحة لإنقاذ العراق؟
نجد أولا في ذلك الفصل أن الحكومة الملكية فرضت سرية تامة على الامتحانات العامة على كل المستويات، بحيث لم يعد بيد التلميذ أي مجال لاستعمال الرشوة أو الواسطة أو المحسوبية الطائفية أو الدينية أو الاثنية أو الحزبية في التأثير على نتائج الامتحانات. أصبحت النتائج رهنا بالمقدرة والاجتهاد فقط. وهذه أنجع خطوة للقضاء على الطائفية والاثنية والحزبية. واعتماد الكفاءة بدلا منها.
تلا ذلك موضوع الدخول للكليات والبعثات. وكلها توقفت على الدرجات التي نالها الطالب في الامتحان العام للثانوية. صاحبت ذلك شفافية تتضمن إعلان أسماء المقبولين مع درجاتهم. وأعطي كل طالب الحق في الاعتراض إذا تعرض لأي ظلم أو تجاوز في هذه القوائم.
تجاوز العراق اليوم كل الدول العربية في اعتماد الناس – ولا سيما الطبقة المتوسطة – على الوظائف (المدنية والعسكرية) وسيلة للعيش وجمع الثروة. وأصبح هذا جزءا من العركة على الكعكة. الخريجون والمتعلمون يتجاوزون عدد الوظائف الموجودة. وهذا يؤدي طبعا للمحاصصة في أحسن الأحوال، وإلى نهب الوظائف في أسوأ الأحوال. وهو المجال الخصب للوساطات والرشاوى والتمسك بالطائفية والاثنية والحزبية. لا دور هناك للكفاءة أو الاستقامة أو النزاهة. اسرق قبل أن يطردوك من وظيفتك.
تفادى العهد الملكي هذه المحنة بخلق مجلس الخدمة. لم يعد يحق للوزير أو المدير تعيين أي موظف. إذا احتاج لموظف يبعث لمجلس الخدمة بطلبه مشفوعا بالمواصفات والمؤهلات التي يتطلبها العمل. يقوم عندئذ مجلس الخدمة (المحاط بالسرية في أعماله وعضويته) بالإعلان عن الوظيفة ثم التدقيق في مؤهلات المتقدمين لها وإجراء امتحان سري لهم كذلك. ومقابلة الناجحين وترشيح من ينال أعلى الدرجات ويقدم أعلى الشهادات لتعيينه من قبل الوزير أو المدير. فضلا عن ذلك، أعطي المجلس كامل الصلاحية في البت بأي غبن أو مظلمة يتعرض لها الموظف.
بهذه الطريقة يتلاشى أثر الطائفية والاثنية والحزبية في تقرير مصير المواطن. أنا شخصيا خبرتها ومررت بها في ترشحي للبعثة وحصولي على الوظيفة. لم أستعمل أي وساطة. لسوء الحظ لم يدم مجلس الخدمة ولا العهد الملكي وأصبح مصير الناس في طنجرة الأحزاب والطوائف والانتماءات العائلية والقبلية، وخرب البلد. أصبحت حتى الشهادات ونتائج الامتحانات خاضعة للتزوير والتجاوزات. غدا كل شيء خاضعا للمرجعيات والانتماءات والمحسوبيات والرشاوى.
كلهم يتكلمون عن القضاء على الطائفية دون أن يهتدوا لأي وسيلة ناجعة للوصول لذلك. الحقيقة أنهم لا يريدون الخروج منها فأكثرهم نال منصبه بها. ولكن العهد الملكي أعطانا الوصفة العملية لدمج المواطنين تدريجيا وعمليا في مصير واحد يقوم على الكفاءة والتمسك بالمواطنة العراقية.
آه.. يا ليته استمر لجيل واحد آخر ليعطي كامل ثمرته.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة