هل الوصاية هي الحل؟

هل الوصاية هي الحل؟

خالد القشطيني

طالما طرحت فيما كتبته سابقا فكرتي بأن كثيرا من الدول الأفريقية والآسيوية تحتاج إلى وصاية. وكان من المؤسف أن نظام الانتداب الذي صاغته بريطانيا بعد الحرب العظمى لم يستمر طويلا. العالم المعاصر عالم في غاية التعقيد. حتى الدول الكبرى ذات الخبرة الطويلة والعميقة في السياسة والاقتصاد تتخبط وتتحير في تسيير أمورها، وترتكب أشنع الأخطاء في مسيرتها. انظروا لما حدث للاتحاد السوفياتي ولألمانيا النازية. وها هي بريطانيا العظمى تجلس في حيرة منذ 40 سنة عاجزة عن تقرير مصيرها في الانضمام للمجموعة الأوروبية أو الخروج منها، بل إن هذه المجموعة بذاتها حائرة بشأن الفيدرالية أو الانفرادية. فكيف ننتظر من دول متخلفة وشعوب أمية وحكومات «حرامية» أن تحكم نفسها بنفسها ودون توجيه ممن هم أكثر خبرة وعلما ومقدرة؟
أعود لهذا الموضوع في ضوء اجتماع عقدته مجموعة من المثقفين العراقيين السياسيين في لندن. والوجود من بعد يعطي غالبا نظرة أدق وأحكم ممن يقعد في عقر داره فلا يرى مشكلته في منظورها الصحيح. رأى سائر الحاضرين أن النظام العراقي الحالي منذ تغيير 2003 قد فشل، وفشل فشلا ذريعا، بحيث اعترف حتى رجالاته فقالوا: «فشلنا! نعم فشلنا».
وقد تجسم هذا الفشل في عجز الجيش العراقي والشرطة العراقية عن الوقوف في وجه عصابة «داعش» في الموصل، وأخيرا في الرمادي.
بيد أن هذا الفشل جزء صغير جدا من الفشل العام للدولة ككل، كما طرح أحد الحاضرين في الاجتماع، وأورد أمثلة عن هذا الفشل العام بأرقام رسمية عن ارتفاع نسبة الأمية، وانقطاع الأولاد عن الدراسة، وعدم وجود مدارس، وانتشار الأمراض، وتردي الأحوال الصحية. تكلم شخص آخر عن الأحوال الاقتصادية، فقال إن الدولة قد تجد من الصعب عليها دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين في شهر يوليو (تموز) المقبل.
العراق بلد النفط والماء والزرع يعجز عن دفع راتب الموظف! فقل عند ذلك: يا للعجب! سألته: أين ذهبت عوائد النفط؟ الجواب: «باكوها!»، واعترف المسؤولون بالسرقات.
إذا كان العراق قد أصبح الآن «دولة فاشلة» Failed State فما العمل؟ طرحت فكرة الوصاية. وناقش الحاضرون هذا الحل. كيف؟ وهل يمكن إقناع الأمم المتحدة باتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذ هذا الاقتراح؟ من يصلح لتولي الوصاية على العراق؟ السويد أو أي دولة من غير الدول الاستعمارية السابقة. بيد أن أحد الحاضرين أيضا صرخ من زاويته فقال: «لا تدوخون راسكم! ماكو دولة في العالم مستعدة لتولي الوصاية علينا»!
فيما كان القوم يفكرون ويتناقشون، انصرف ذهني إلى ما تعلمته في كلية الحقوق. الفاشل مثل القاصر، والقاصر يعرّفه الفقهاء بأنه الشخص العاجز عن تدبير أموره. وهذا يعطي الحق للقاضي بأن يضعه تحت الوصاية. ولكن التشريعات لم تتطور بعد لتطبيق القاعدة نفسها على الدولة، وإلا لطبقوها على الدولة العباسية. وهذه هي المشكلة. وضربت يدا على يد آسفا.
انتهى الاجتماع بتكليف أحد الحاضرين بإعداد تقرير ضافٍ يثبت فشل النظام، ثم واجب الأسرة الدولية في وضع العراق تحت الوصاية.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع