ذات قصيدة واحدة

ذات قصيدة واحدة

سمير عطا الله

كان يكفي في الأزمنة الطيبة، أن تكون هذه اللغة لغتك لكي تسقط أمامك جميع الحدود. أمة واحدة ذات قصيدة واحدة، وإذا جميع الديار ديارك، وجميع القوم أهلك. بغداد ودمشق وحلب والقاهرة، وسائر الحواضر. أبو نواس وُلد في البصرة من أم فارسية، لكنه عاش معظم حياته الأدبية حول الديوان العباسي في بغداد، ومنفيًا في القاهرة. وبشار بن برد نشأ في البصرة ولمع في بغداد. ووُلد أبو العتاهية في الصحراء العراقية، ولمع في العاصمة. ووُلد المتنبي في الكوفة، وتعلم في دمشق، وتنقل ما بين حلب ومصر، حيث مدح وهجا كافور الإخشيدي، الحبشي الجذور. وولد أبو العلاء في معرة النعمان، لكنه عاش أيضا في حلب وبغداد. وولد أبو تمام في سوريا، لكنه تنقل في مصر وبغداد والموصل وأرمينيا وخراسان. ووُلد أبو الفرج في أصفهان، وعاش في بغداد وحلب. وابن الفارض كان سوريًا عاش في القاهرة ومكة. وابن دريد ولد في البصرة وعاش في عُمان.
وفي عصرنا، لكن لأسباب أخرى، عاش نزار قباني معظم حياته خارج دمشق، يكتب بحراتها من بعيد، ويوزع ما بقي من ياسمينها عقودًا على العاشقات. غادر دمشق، لكنها لم تُغادره. ومن دمشق وبيروت وبراغ كتب أبو فرات محمد مهدي الجواهري لبلاد الفرات. ولحق به عبد الوهاب البياتي. وأعطى بدر شاكر السياب المنفى نغمًا مثل خرير دجلة في المساء. كانت دمشق الأموية وبغداد العباسية تحتضن الشعراء، وفي العصر الحديث أبعدتهم. أو نفتهم. وفي مرحلة ما بدا وكأن نسائم الحرية في بيروت لن تبقي شاعرًا في دياره الأم.
هؤلاء السادة كان وطنهم اللغة، وعلمهم الموهبة المرفقة، أو المترفقة. نزع من عمر أبو ريشة منصب السفير، لكن من ينزع ملكة الشعر. حمل محمود درويش شعره إلى منفاه وجعله امتدادًا للوطن. ولم يتميز بذلك فقط، بل بأنه الوحيد الذي نفاه المحتل. جميع الآخرين نفاهم «الوطني» أو «القومي». في العصور الذهبية كان القصر يكرم الوفادة أو يُبعد، فصار الشرطي، أو العسس، هو من يكرم أو ينفي. وهو من يقرر ويقضي في أهمية الشعر.
أرَّخ لنا الشعراء أزمنتهم على طريقتهم. بعاطفية، لا بموضوعية. بشخصانية ووجدانية، وليس بالوقائع. لكنهم كانوا شهودًا حقيقيين على مراحلهم. وعلى طريقتهم أيضًا. حفظوا لنا لغتنا وبحثوا في جمالياتها، والذين منهم لم يدركوا مراتبها، جردتهم من مراتبهم. الشعر امتحان أقسى وأصعب من النثر، ولم يبقِ لنا الزمن من هؤلاء السادة سوى القليل. كثيرون قرضوا الشعر وانقرضوا. وبقي لنا الشاعر الذي يشبه قائد الفرقة الموسيقية، يعرف أين مسحة الكمان وأين توتر العود، وأين تقاسيم «القانون»، يولعك منفردًا، ويطفئك متباعدًا.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع