لا خوفًا على الوظيفة

لا خوفًا على الوظيفة

سمير عطا الله

سوف يظل موضوع الصحافة الورقية والإلكترونية مثارًا إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولاً. لكن شيئًا واحدًا لن يتغير، وهو أن مقياس الاستمرار، على الورق أو على الضوء، هو المادة التي تقدم للقارئ. الكتاب الضوئي أصبح أكثر مبيعًا وأقل كلفة، لكن الكاتب لم يتغير. علامة الجودة لم تتغير. والقارئ لا يزال قارئ الأمس.
ترتيب الصحف والكتب لن يتغير. سوف تظل هناك الصحف المحترمة والمؤثرة، وهناك الصحافة الأخرى. الاحترام لا يعني العبوس والاكفهرار. يعني الصدق والثقة ومعرفة القارئ بأنك تجتهد ولستَ ترمي الكلام من خلف ظهرك. عندما يدرك أن هذه العادة السفيهة قد تمكنت منك، سوف يرميك هو من وراء ظهره. خمولك ليس مسؤوليته، وخفتك ليست امتحانه أو شأنه.
أعطت العرب الموهبة وصفًا ليس في أي لغة أخرى. سمتها «الملكة». ملكة الفن. ملكة الكتابة. ملكة العلوم. فعندما تسيء إليها، كأنك لا تملكها. كأنك مزوِّر عملة أو مزيِّف وثائق. في اللحظة التي أشعر أنني قدمت أي شيء، في أي ظرف، على هذا العمل، سوف أتوقف، لن تُزوِّر يدي حرفًا واحدًا، ولن أخدع قارئًا واحدًا، ولن أستخف بقارئ في أي لحظة.
كل صباح أسأل نفسي: ماذا يمكن أن يعني هذا السيد اليوم؟ طبعًا، ليس أنا، ولا ماذا أكلت، ولا من صافحت في الطريق. هو يعتبرني، عن حق كامل، كاتبًا عنده، ويعتبر أن مهمتي الوحيدة هي أن أبحث له في الصحف والكتب والأحداث والناس، عما يهمه ويهم الناس. طبعًا، لك الحق في حكاية شخصية، هنا أو هناك، إذا كانت فيها فائدة أو عاطفة أو مشاعر أو درس. مجلة «ريدرز دايجست» عاشت أكثر من نصف قرن على قصص «التجربة الخاصة». لكن «التجربة الخاصة» أن تروي قصة حصان ضعيف ظل يكافح إلى أن ربح السباق، وليس كيف شربت الشاي مع صاحبه وتصورت مع مدربه.
أتجول في عموم الصحف العربية كل يوم. ومثل أي قارئ عادي، أتوقف عند الكتّاب البالغي الاجتهاد، الذين يحترمون صحفهم وقارئهم، وخصوصًا أنفسهم. وكلما شعرت أن روح المنافسة قد خفت، تنقبض نفسي. فالمسألة ليست الورق أو الإلكترون، والحبر أو الضوء، وإنما هي الكاتب – أو المادة – المتجدد من أجل قارئ متجدد. ليس لي انتصارات في هذه الحياة، وهزائمي شتى. لكنني أشعر بلذة النصر عندما أكتب مقالاً ثم أمزقه خوفًا من أنه لا يليق بمستوى جريدتي وكتّابها وكتّاب الجرائد الأخرى.
كما أن للمحاكم قانونًا يمنع ازدراءها، يجب أن يكون هناك قانون يمنع ازدراء الصحافة ومستويات الكتابة. كان سعيد فريحة يعيد كتابة السطر عشرين مرة، وغسان تويني كان يصححه عشرين مرة، وكلاهما كان يملك صحيفته، فليس خوفًا على الوظيفة، بل خوفًا على الواجب.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة