رجال الينابيع

رجال الينابيع

سمير عطا الله

عقد مصطفى وعلي أمين أول اجتماع للمحررين في «أخبار اليوم» وقالا لهم: لا مطوّلات بعد اليوم. والخبر لا يبدأ بك إلا بصفتك شاهدًا، ورأيك ليس ضروريًا إلا إذا كنت شريكًا في الحدث.
والقارئ لا يهمه من أنت، بل ماذا تنقل إليه، وإذا كررت الحديث عن نفسك ثلاث مرات، فهذا يعني أن ليس لديك ما تقول. وإذا كررت التعابير والمصطلحات فهذا لأنك مردد كليشيهات ولست صحافيًا أو مبدعًا. وإذا لم يكن لديك سوى أفكار غيرك تنقلها فلأنك تطيل السهر وتستيقظ متأخرًا. وإذا كنت محررًا قضائيًا، فاترك للقضاء أن يدين المتهم، وللمحامي أن يدافع عنه، أنت عليك بالدقة في نقل الوقائع، لأن بين الذين يقرأون تفاصيل الدعوى في الجريدة ألوف المحامين وأهل القانون.
ينقل الزميل صلاح منتصر في «الأهرام» و«المصري اليوم» من حين إلى آخر ذكريات سنواته الأولى في الصحافة مع كبار المعلمين. ويستعيد زملاء آخرون ما تعلموه من الكبار. والحقيقة أن سر الكبار هو أنهم تعلموه قبل أن يعلموا المهنة: محمد التابعي وأحمد بهاء الدين أتيا من الحقوق، وغسان تويني أتى من الفلسفة في هارفارد، والعقاد وسعيد فريحة جاءا من مدرسة العلم بالتعلم. وهذه مهنة من لا يتعلم فيها كل يوم، يصدأ كل يوم. وعاصي ومنصور الرحباني حولا منزلهما إلى مضافة شبه يومية، يستقبلان الشعراء والكتّاب والفنانين، لكن حديث السهرات كان دائمًا العمل. وكانا يذهبان إلى ساحة بلدتهما انطلياس لينقلا لوحات الحياة اليومية وحكمة الناس العاديين. وأدركا في عز شبابهما أن الموهبة الموسيقية لا تكفي، فبحثا عن معلمين وظلا يتعلمان من صبري الشريف أصول التوزيع الموسيقي حتى اليوم الأخير.
الذين لم يكملوا الطريق في الأدب والفكر والفنون والصحافة هم الذين اعتقدوا أن النجاح يتساقط عن الشجر، وأن قطار العمل يتوقف عند أبوابهم. كثيرون خرجوا مبكرين لكي يتركوا أثرًا طيبًا. وكثيرون اختاروا العمل المكتبي حيث يضعون خبرتهم دون التعرض للامتحانات الصعبة. وكم أفرح للمجددين المتحدرين في ما أطلع عليه من صحافة مصر والكويت والسعودية ولبنان. ومنهم من أبحث عما يكتب كل يوم. وأشعر بارتياح صادق عندما أكتشف أن بعض الكتّاب السعوديين تجاوزوا بمسافات بعيدة الكتاب المشرقيين في شعبيتهم. ويكفي أن تراجع زاوية «الأكثر قراءة» في الصحف لكي ترى المسافة المقطوعة، ليس عند القراء السعوديين، بل عند عموم العرب. وسر هؤلاء هو سر الجميع: الاجتهاد والعمل وعدم الابتذال، أو التبذل، أو ما يسميه اللبنانيون «الانهراق» على المهنة.
القياس الإلكتروني الجديد لنسبة القراء يضيف حافزًا جديدًا مع أنه ليس دقيقًا مائة في المائة، لأن توزيع الصحافة الورقية لا يزال ضخمًا. لكن هذه لها طرقها في القياس أيضًا. وهناك القياس الأول والأخير، أي الانطباع العام. مهنة تبدو أسهل الأعمال، لكن دروبها وعرة. المعلمون فيها قلة من الرجال الألماسيين. لذلك، نعود إليهم دائمًا كمن يعود إلى النبع. دائمًا يجد ما يروي وما ينعش.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com