لماذا احتفل السودانيون؟

لماذا احتفل السودانيون؟

عثمان ميرغني

يوم الاثنين الماضي كانت زغاريد الفرح تنطلق من كثير من بيوت السودانيين، بينما غمرت رسائل التهنئة مواقع التواصل الاجتماعي. تصادف ذلك مع إعلان نتائج الانتخابات السودانية وتأكيد السلطات فوز الرئيس عمر البشير بولاية جديدة تمتد خمس سنوات تضاف إلى ما يزيد على ربع القرن الذي قضاه في الحكم حتى الآن. لكن الناس، أو فلنقل أغلبيتهم، لم يكونوا يحتفلون بنتيجة الانتخابات، بل بنتائج أبنائهم في امتحانات الشهادة السودانية التي أعلنت قبل ذلك بساعات. فالانتخابات لم تحظ باهتمام الناس أصلا، ونتائجها كانت معروفة سلفا، والأمر لم يكن يحتاج إلى صرف أموال طائلة على حملاتها، ولا إلى مؤتمر صحافي لإعلان نتائجها.
المفوضية القومية للانتخابات أعلنت فوز البشير بنسبة 94 في المائة من الأصوات بينما حصل الفائز الثاني على نسبة 1.4 في المائة، وتوزعت بقية الكسور على 14 مرشحا آخر شاركوا في المهرجان الانتخابي. هذه النتيجة توضح لماذا أحجم غالبية السودانيين عن المشاركة في التصويت، ولم يبدوا اهتماما بالانتخابات كلها. فالقناعة السائدة أنها لن تغير شيئا، لا في الوجوه الحاكمة ولا في السياسات والتوجهات السائدة، ولا في النهج الذي تدار به الأمور في العلن أو في الخفاء.
القراءة الصحيحة للنتائج توضح أن البشير فاز في الواقع بنسبة 40 في المائة وليس بنسبة 94 في المائة المعلنة. فوفقا للأرقام التي أعلنتها مفوضية الانتخابات فإن 46 في المائة من الناخبين المسجلين شاركوا في الاقتراع، أي إن الأغلبية «امتنعت» أو «قاطعت»، وهناك فرق بين الأمرين في الحالة الراهنة. فالذين قاطعوا يمكن اعتبارهم من المستجيبين لحملة «ارحل» التي نظمتها المعارضة ونادت عبرها للمقاطعة فلقيت استجابة لكن محدودة، أما الذين امتنعوا واعتكفوا فهم الأغلبية الغاضبة من الحكم لكنها مستاءة من المعارضة في الوقت ذاته، لذلك كان اعتكافها رسالة في اتجاهين.
مناظر مراكز الاقتراع المهجورة، والصور التي تداولها الناس لمشرفين على الانتخابات يغطون في نوم عميق بسبب الملل وغياب المقترعين، أحرجت النظام خصوصا أن المراقبين والصحافيين سجلوا هذه المشاركة الضعيفة ووثقوها في تقاريرهم. رئيس فريق مراقبي الاتحاد الأفريقي أولوسيغون أوباسانجو، قال في تصريحات للصحافيين على سبيل المثال إن ثلث الناخبين المسجلين فقط أدلوا بأصواتهم، وهي نسبة مختلفة تماما عن النسبة التي أعلنتها مفوضية الانتخابات السودانية الرسمية (46 في المائة). السلطات حاولت معالجة الإقبال الضعيف على الانتخابات الذي لم تسعفه العطلة الرسمية التي منحتها الحكومة للناس، فلجأت إلى تمديد عملية الاقتراع يوما إضافيا. لكنها في النهاية رضخت للواقع الذي لم يكن سهلا إخفاؤه، فأعلن حزب المؤتمر الوطني الحاكم أنه غير راض عن المشاركة الضعيفة وسيحقق في الأمر، وكأن المسألة تحتاج إلى تحقيق، أو أن رسالة اعتكاف الناخبين عصية على الفهم. فالصورة الأكبر هي أن البشير حصل وفقا لمفوضية الانتخابات على خمسة ملايين و252 ألف صوت، بينما العدد الإجمالي للناخبين المسجلين هو 13 مليونا، أي إنه حصل على 40 في المائة من المجموع الكلي.
الانتخابات بهذه الصورة لا تعطي مشروعية، هذا إذا كان النظام يبحث عن مشروعية من خلالها، لأنه في الواقع يعتمد على السطوة الأمنية والقبضة العسكرية. فالجبهة الإسلامية التي دبرت لانقلاب عام 1989 الذي جاء بالنظام الحالي، لا تؤمن بديمقراطية التداول السلمي على الحكم وإلا ما انقلبت عليها. كما أنها لا تستند للمشروعية الانتخابية لأنها حكمت من دونها أزيد من 20 عاما قبل أن تنظم انتخابات تعددية امتثالا لبنود اتفاقية السلام عام 2005 التي أريد بها فصل الجنوب لكي تنفرد الجبهة الإسلامية بالشمال. وحتى قبل انتخابات هذا الشهر كان بعض مسؤولي النظام يصرحون بأنهم باقون في الحكم بانتخابات أو من دونها.
في كل الأحوال فإن الغالبية «المعتكفة» لم تعط مشروعية للانتخابات ولا لنتائجها، كما أنه على الصعيد الخارجي انتقدت أميركا ودول الاتحاد الأوروبي الانتخابات ورفضت مشروعيتها على أساس أنه لم تتوفر لها الأجواء المواتية والحرة والشفافة، وعقدت في ظل حروب مستعرة، وإجراءات أمنية مشددة، وحملات التضييق والملاحقة للإعلام ومنظمات المجتمع المدني وقوى المعارضة.
لماذا أجريت الانتخابات ما دام هذا هو الحال، وما دامت النتيجة معروفة؟
النظام مثل كثير من الأنظمة يقنع نفسه ولا يقنع الناس بأن لديه مشروعية انتخابية بعد استهلاك شعارات المشروعية الثورية التي تستخدم في العادة للتعتيم على الهوية الانقلابية الأصلية. كما أن مخططيه الاستراتيجيين رأوا في الانتخابات وسيلة لتشتيت معارضيهم، واختراقهم بحركات مرتبطة به عضويا وخارجة من رحمه تدعي أنها أصبحت معارضة له. المشكلة أن الانتخابات كشفت في الوقت ذاته عن عمق الهوة بين النظام وغالبية الناس إن لم تكن قد عمقتها أكثر. فالدلائل كثيرة على أن الأمور تغلي تحت السطح، وأن الشارع السوداني محتقن، بينما الأوضاع الاقتصادية والسياسية تسير نحو المزيد من التأزم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com