مفكرون أم سياسيون؟

مفكرون أم سياسيون؟

خطر لي، وأنا أقرأ «النظام العالمي» لهنري كيسنجر، لمرة سادسة أو سابعة وغير أخيرة، تساؤل واحد: ماذا لو ظل هذا المفكّر السياسي مفكرًا سياسيًا؟ ماذا لو لم يصبح وزيرًا لخارجية أميركا ويأمر بحرق فيتنام وكمبوديا، ويعمل على عزل مصر عن العرب، ويمدّ إسرائيل بجسر جوي في حرب أكتوبر (تشرين الأول)؟ في «النظام العالمي» نجد أمامنا مؤرخًا يقرأ الأحداث والخرائط والحروب والمجتمعات بمنطق تاريخي واستدلال معاصر. وقد شعرت بالحنق وأنا أقدر الناحية الموسوعية فيما أقرأ، لأنني أمضيت جزءًا من عملي في التعبير عن امتعاضي منه ومن سياساته ومن عنجهيته ومن دوره في حرب لبنان وحروب العالم. وها أنا مضطر إلى نظرة أخرى للرجل نفسه.
هل يجوز للمفكر أن يتعاطى السياسة؟ اقترح الأستاذ غسان تويني مرة أن يصبح أمين معلوف سفير لبنان في باريس؛ باعتباره اسمًا ألقًا في فرنسا. واعترضت على ذلك بقوة، بداعي أن العمل الدبلوماسي سوف يضيع عطاء الرجل الأدبي. ثم فكرت في كبار كتّاب وشعراء أميركا اللاتينية الذين عينوا سفراء لبلادهم، أمثال بابلو نيرودا وأوكتافيو باث، المكسيكي الساخر. وفكرت في أندريه مالرو، أديب فرنسا الذي أصبح وزيرًا للثقافة عند شارل ديغول.
أين هو الصحيح؟ لقد أحاط جون كيندي نفسه بمستشارين من كبار الأكاديميين والمفكرين. ولم يدم عهده طويلاً لكي نعرف ما هو الأثر الذي سيتركونه على إدارته وسياساته. وغسان تويني نفسه برع كوزير في الحكومات ونائب في البرلمان، ثم لمع كسفير لدى الأمم المتحدة في أحلك ساعات لبنان وأضعف أيامه. غير أن مكانته كمفكّر وصحافي كبير، منحته في هيئة الأمم قوة ليست لبلده.
إذن، تختلف البلدان والأزمان، وما من قاعدة في ذلك. لكن لا أعتقد أن كيسنجر، البارع مؤرخًا، سوف يُنسي الناس كيسنجر، السياسي المتأرجح السيرة. الوزير الذي عقد المصالحة مع الصين، والمتهم بتدبير الانقلاب على سلفادور اليندي في تشيلي، ودعم الأنظمة العسكرية فيها.
وفيما يبدو «النظام العالمي» عملاً أكاديميًا مثيرًا، تبدو كتبه عن سنواته في الخارجية، بأكثرها، تدوينًا روتينيًا مملاً، بما فيها محاضر الصين والرحلة التاريخية إلى بكين. سوف يحكم الأميركيون أكثر من سواهم على تلك المرحلة: هل كان من الحكمة أن يصبح ريتشارد نيكسون أسير أكاديمي «نظري» أم أن الأكاديمي خفف من أخطائه؟ كان سقراط أول بَشري معروف تحدث عن الفارق بين النظري والواقعي. ولم نصل حتى الآن إلى معدل وسطي متفق عليه بين الاثنين، وأيهما يأتي قبل الآخر، وأيهما أنفع في حياتنا العامة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com