من كل بستان شوكة !

من كل بستان شوكة !

خيري منصور

أعود بين وقت وآخر إلى كتابين صدرا قبل قرن، هما:  «طبائع الاستبداد»  للكواكبي، و»سايكولوجيا الجماهير» لجوستاف لوبون، وأجد فيهما ما لا أجده في هذه الحذلقات التي يناقض فيها الهواة أنفسهم في كل عبارة ! كتاب الكواكبي عن تصنيع الديكتاتور رغم انه تحدّث عن الاستبداد في المطلق، والديكتاتور كما عرفناه في هذه المنطقة من العالم ليس كيانا متجانسا ومنسجما، انه ملفق من قطع غيار يدخل فيها الإيطالي والألماني والروسي، ففيه من موسوليني أسوأه ومن ستالين ما ليس له علاقة بالبعد المعرفي لتلك الشخصية لأن ستالين كان عالم لغة ورفض مقايضة ابنه بكرامة وطنه ويروى عنه أنه قال للروس عندما اقترب الألمان من موسكو : دافعوا عن قبر ديستويفسكي، ان الديكتاتور الملفق والذي تحوّل الى ما يقال عادة عن هذه الحالة وهو من كل بستان شوكة وليس زهرة لم يكن ذات يوم نبتا شيطانيا فهو ربيب ثقافة وتربويات وصناعة طبقة سياسية اشبه بتلك التي كتب عنها الراحل توفيق الحكيم مأمورية الزير، لهذا لا يسدل الستار على ديكتاتور بعينه لكي تكون نهاية الطغيان مع نهاية الطاغية ، ذلك لأن متعهدي هذه الصناعة لا يطيقون البطالة عن العمل، فهم ذوو حاسة شم مدرّبة جيدا إذ سرعان ما يتسابقون ويتنافسون على اصدار طبعات جديدة من الاستبداد . لكن ثقافتنا التي تفصل بين الفاسد والمفسد وبين الاستبداد والمستبد تبقي هذه المفاهيم مجردة ومعلقة في الهواء، وكأن هناك استبدادا لقيطا او طغيانا مبنيا للمجهول .

«سايكولوجيا الجماهير» كما قدمها «لوبون» قبل قرن تضع النقاط على الحروف ولا تهرب من التشخيص والتسمية، فالتلاعب بعواطف الناس مهنة عريقة في التاريخ ولعل امثولة سِحرْ البيان افضل اختصار لها . لكن أما آن لهذه البشرية أن تبلغ رشدها التاريخي؟ وتتلقح ضد هذا اللدغ المتكرر ؟ أم أن هناك نُخبا حرفتها تصنيع الطغاة وتبرير الاستبداد بل تزيين الاثنين بحيث يكون التضليل كاملا؟  وقد تحولت هذه الصناعة الى نمط إنتاج يمارسه من يقولون إن الأرض تدور في الصباح ثم يعتذرون عن ذلك في المساء، لهذا فالشبه بين الليلة والبارحة واستمرار المراوغة الثعلبية أصبح قدرا لشعوب تكرر في كل جيل اخطاءها إما لأنها عازفة عن قراءة التاريخ أو لأنها لا تستوعبه، بحيث يتجدد رهانها الأخرق في كل العصور على أن تجني الشهد من اليعاسيب . إنها رواية مملة وحبكتها البوليسية واحدة رغم تغير أسماء الأماكن والشخوص .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com