قصدير مطلي بالذهب !

قصدير مطلي بالذهب !

خيري منصور

ما من مصطلح ملتبس في ثقافتنا كالحداثة، فهي احيانا حفلة تنكرية يرتدي فيها القرد قناع غزال واحيانا قصدير يُطلى بالذّهب الذي سرعان ما يتسلل الصدأ اليه، وهناك مشاهد متكررة في حياتنا اليومية تغنينا عن اي تعليق في هذا السياق، منها الحجاب والبنطال الجينز الذي يوشك ان يتمزق ومنها كلمات انجليزية وفرنسية تتخلل لغة لا هي بالعربية او السنسكريتية، وقد يختصر حبل غسيل في يوم مشمس المسألة كلها بكل ما يعج به من مُتناقضات بحيث تتعايش عليه ستة قرون على الاقل، وسيكون من الالحاح الممل والتكرار التذكير بأن الحداثة رؤى ومناهج تفكير واخيرا انماط سلوك، وهي ليست مجرد تشبه شكلي بنموذج ما ومن كتبوا مرارا عن حداثة الادب في بلادنا فاتهم ان الحداثة لا تتجزأ وان مجتمعات باترياركية تتأسس على الوصاية والحرمان من سن البلوغ العقلي لا يمكن ان تفرز ادبا حديثا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه .

وهناك مثل فرنسي يقول اذا قشرت الرخام سيظهر لك على الفور الطين وما يعشش فيه من ديدان . لأن الحداثة ليست قشرة رخام ولا هي مظاهر عمرانية وأزياء او رطانة في المقاهي . وإذا كانت كل او معظم مشاريع التحديث قد أخفقت وأجهضت في الرّحم فإن لذلك اسبابه، وفي مقدمتها ان دور الفرد في مجتمعات هاجرت من القبيلة الى الحزب والنقابة بكامل نسيجها الرعوي مغيّب، وما لم تشمل الحداثة الحياة بكل أبعادها وتجلياتها السياسية والاجتماعية فإنها تبقى مجرد حالة من التطبّع الذي لا يصمد امام الطبع، إذ سرعان ما تتضح الحقيقة .

وما لم يتحول سؤال الحرية الى هاجس مجتمعي فإن كل ما يقال عنها هو مجرد ثرثرة عقيمة، ومن المعروف ان الإلحاح والافراط في الحديث عن اية ظاهرة هو شاهد على غيابها فالناس يتحدثون دائما عما ينقصهم، والمجتمعات الحديثة وذات النظم الديموقراطية نادرا ما تتحدث عن الحداثة والديموقراطية لأنها تمارسها كما لو انها تتنفس لكن الكلام عن الشيء ليس كالكلام من داخله، وقد يكون اكثر الناس حديثا عن الحرية هم الاكثر ارتهانا .

ان مشهد شارع او حتى عيّنات عشوائية من اية عاصمة عربية الان يفتضح كل ما قيل عن الحداثة، لأنه يقدم واجهة انيقة تخفي وراءها عشوائيات لا آخر لها .

والعشوائية ليست حكرا على العمران، انها انماط تفكير وسلوك، وأشبه بثياب المهرج الذي يلتقط كل ما يعثر عليه كي يلصقه على صدره، وكل ما هو شكلي وزائف يصادر على ولادة ما هو عضوي وحقيقي، هكذا اصبحت الحداثة قناعا لأقبح ما أفرز التخلف !!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com