الظل الأخير

الظل الأخير

سمير عطاالله

أواخر الثمانينات صدرت رواية للياباني كازو إيشيغورو بعنوان «بقايا النهار»، عن رجل يدعى ستيفنز، يعمل مدبرًا في منزل اللورد دارلنغتون. يتكرس ستيفنز في خدمة سيده، ولا يعود يرى أحدًا سواه. ينجرف اللورد في الميل نحو مغامرات النازيين، فينجرف معه دون سؤال. ينصرف ستيفنز إلى العناية بالمنزل كأنه إرثه الوحيد. وعندما يتوفى والده، الذي يقطن معه، يخفي الأمر عن الجميع لكي لا يفسد على اللورد حفلة يقيمها لأصدقائه.

في هذه الأيام الموحشة والمتوحشة، لم يتورع «الإعلام» في نشر صورة عزة الدوري جثة هامدة بشعره البرتقالي اللون. غاب صدام حسين، لكن الدوري ظل يعمل من أجله، وليس من أجل «البعث»، ولا تكريت، ولا بلدته «الدور»، التي جاء منها كثيرون من رجال الرئيس العراقي، الذي عاش عاصفًا ومات في العصف. اختار صدام رجاله وفقًا لكفاءة واحدة: الوفاء. ومن خالف القاعدة قُتل، إما بيده شخصيًا، أو بقيادة عديّ، كما حدث لوالدي أحفاده وزوجي ابنتيه وأحب الناس عنده. لم ينتقِ صدام وزراءه من الحزب أو من الجيش أو من الدبلوماسية. مَن هو صالح لحكمه، صالح لحكم العراق. بعضهم لم يكن يمثل شيئًا من العراق، أو للعراق. لكن إخلاصه للنظام كان مطلقًا. كان عظيمًا. وعندما طلب من عزة الدوري أن ينقل رسالته إلى الملك فهد عشية احتلال الكويت، جاء الدوري وألقاها ومضى، لأنه لم يكن مخوَّلاً أن يحمل الرد. فقط الرسالة.

بعد إعدام صدام تشتت البعثيون في العراق وخارجه. وبحث كثيرون عن أمكنة جديدة وحياة جديدة، سواء عند الرجعية العربية أو عند الإمبريالية المهزومة. لكن الدوري ظل مختبئًا في حياة سريّة تحت الأرض، وعلى بعد خطوات قليلة من السماء. لو كان صدام حسين حيًا لما تلقى هدية أمجد من صورة الرجل العجوز غارقًا في الدماء من أجله. مثل ستيفنز، لا نعرف شيئًا عن أهل عزة الدوري أو أبنائه أو أصدقائه. ولا كان هناك، على الأرجح، شيء يستحق أن نعرفه. الذين اغتالوه، رسموا له النهاية التي كان يحلم بها: ميتًا في سبيل السيد الرئيس، مقاتلاً في سبيله، مكلفًا الأمانة على المال والإرث.

اختار صدام رجالاً بلا كاريزما يدورون في فلكه، إلا من طارق عزيز في المهمات الخارجية، ثم محمد الصحاف في المهمة الأخيرة ضد العلوج والأوغاد. وعزة الدوري كان الأقل جاذبية بينهم بعد طه ياسين رمضان، والأكثر تزمتًا وحدّة، بعده أيضًا. ورغم ما قام طارق عزيز بمهمات صعبة في الخارج، بما فيها طهران وموسكو، فإن المهام «التوأم» لم يعطها صدام إلا للرجل الذي كان يدرك أنه سوف يموت وهو يقاتل في سبيله.

هذا المشهد الدرامي، بعد صور أصهار صدام، وأبنائه، وصورته يصر على أن يضع الحبل حول عنقه بيديه، هو مشهد من روايات القرن السادس عشر: جثة رجل عجوز عاش في ظل رجل واحد، ومات في ظل ظله، يعد بقايا النهار.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com