وما عاد يطاق

وما عاد يطاق

سمير عطا الله

يسألون في بعض المنتديات: هل كان في إمكان السعودية أن تتجنب «عاصفة الحزم»؟ جواب: يشبه الوضع تمامًا طائرة مقلعة وصلت إلى نهاية المدرج، واكتشف قبطانها طائرة في مواجهته. الخيار الوحيد هو استكمال الإقلاع؛ لأنه أقل خطرًا على طائرته وعلى مسافريه وعلى طاقمه.

تُقيم السعودية جدارًا مع العراق يزيد طوله على 700 كيلومتر. وتُقيم حاجزًا مع اليمن. ولا حواجز، أو جدران على أي حدود أخرى؛ لأن المسؤولية الأولى لأي دولة هي حماية مواطنيها. وأي دولة ينطبق عليها هذا الاسم، لا تستطيع أن تتطلع، بلا مبالاة، إلى انهيار الدول في جوارها، وكيف سينعكس ذلك على أمنها القومي. لقد رأت السعودية الدولة تنهار في العراق وفي سوريا، لتحل محلها قوى إيرانية معلنة وسافرة، فهل يتوقع منها أن تتفرج أيضا على انهيار الدولة في اليمن أمام ميليشيا إيرانية أخرى؟

وجدت السعودية نفسها في آخر المدرج، ومن حولها طوق إيراني لا يهدأ ولا يتوقف. من البحرين إلى سوريا إلى العراق فإلى اليمن. ماذا يجب أن تفعل؟ تنتظر انهيار اليمن؟ تفتح الباب أمام سقوط الخليج؟ وماذا تقول لمواطنيها الذين يسمعون كل يوم التصريحات الخارجة من إيران، أو عروض السيد محمد جواد ظريف، الذي يقفز من طهران لعرض «مبادراته» على أهل البلاد، من دون أن يشرح ما هي صفته، وباسم أي تجمع دولي يريد فرض «الحل»!

لقد سقطت بغداد ودمشق، ومعهما سقطت الدعوة إلى القومية العربية. وقسِّمت فلسطين، أم القضية، وأصبحت غزة شريكة إيران، وليست أرض العروبة، وأصبح النطق باسمها احتكارًا أعجميًّا. وتفجّرت في المنطقة برمّتها، وللمرة الأولى منذ قرون، موجات المذاهب والأعراق والطوائف. وعادت القبائلية والعشائرية إلى الظهور تحت رايات واضحة الألوان والدوافع. ماذا تفعل دولة في حجم وموقع ومكانة ومسؤولية السعودية؟

إنها حافة المدرج. ليس لها وحدها، بل للدول العربية جميعها، وهي ترى الحملة عليها تعدو دون توقف، وتبدِّد كل ما في طريقها، وتؤدي إلى إرهاب يشجع إرهابًا، كلاهما يدمر كل ما أمامه ونحوه. وماذا ننتظر لنتأكد أن الهدف هو في نهاية المطاف، وأوله، تدمير الدولة العربية بكل أركانها ومقوّماتها، وتحريض شعوبها بعضهم على بعض، وقطع الروابط والأواصر، وتحريض الطبقات والمذاهب، وبسط الخراب والشقاق من أقصى الأمة إلى أقصاها؟

كان لا بد من رسالة ما، بعد تشتت شعوب العروبة في كل اتجاه، وسماع عويل أطفالها في المخيمات والشوارع، ودمار تراثها وتاريخها ومتاحفها وجذورها، وتشرد شبابها في الأزقة والموانئ، وتهاوي اقتصاداتها ومصائرها. لقد زحف هذا المد العدمي على سكينة العرب وآمال العروبة. واكترى لذلك الحاقدين، وجوعى السلطة، وسهلي الارتزاق. وأصبح مشهدًا لا يطاق.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com