مسمار جحا الإيراني!

مسمار جحا الإيراني!

يبدو الأمر بشكل عام كأن جحا حين صاغ حكاية مسماره الشهير، كان يتوقع أن يأتي علينا يوم تنطبق فيه تلك الحكاية تماما على السلوك الإيراني في وقتنا الحاضر!

فالحكاية تقول إن جحا كان يملك بيتا، وأنه قد واجه ظروفا طارئة في حياته، اقتضت منه أن يبيع البيت، لأنه كان في حاجة شديدة إلى ثمنه، وقد حاول مراراً أن يتفادى بيع البيت العزيز على قلبه، ولكن دون جدوى، فلقد كانت كل الطرق تؤدي إلى إتمام عملية البيع، وكانت كل بدائلها، كعملية، تنتهي إلى لا شيء!

وعندما اكتشف جحا أنه لا بديل عن نقل ملكية بيته إلى مشتريه، فإنه، أي جحا، بات يفكر في طريقة تجعل الصلة قائمة، ودائمة، بينه وبين البيت!

وبعد طول تفكير، هداه شيطانه، إذا جاز للشيطان أن يهدي أحداً إلى طريق الصواب، إلى أن يدق مسماراً في جدار من جدران البيت، وأن يشترط على المشتري شيئاً واحداً، بل وحيداً، هو أن تنتقل الملكية إلى هذا المشتري، حين تنتقل، كاملة، إلا المسمار.. فسوف يظل ملكاً خالصاً لجحا، وسوف يكون من حقه، بالتالي، أن يباشر حقوق الملكية على مسماره، بما في ذلك زيارة البيت، في أي وقت، من أجل الاطمئنان على حالة المسمار، وعلى أنه مستقر في مكانه، وعلى أن صاحب البيت الجديد لم يتصرف فيه، ولم يحركه إلى مكان آخر!

في البداية، لم ينتبه المشتري إلى ما أراده جحا الخبيث، من وراء هذه الحيلة العجيبة، واعتبر أن وجود مسمار.. مجرد مسمار.. في واحد من جدران البيت، مسألة لا ضرر فيها، كما أنها بلا قيمة!

ولكن.. بمرور الوقت، وبتكرار زيارات جحا للبيت، في الليل مرة، وفي النهار مرات، ضاق صاحب البيت الجديد بالحكاية جداً، ولم يعد يعرف كيف يمكن أن يتصرف، خصوصا أن شروط البيع كانت واضحة، وخصوصا كذلك أن العقد هو شريعة المتعاقدين، ولا يجوز لأحد طرفيه أن يخل بما فيه.. لا يجوز وإلا خضع لعقاب منصوص عليه في العقد نفسه!

وكان الرجل يحاول أن يحتمل جحا، وكان يحاول أن يتعايش معه، ومع سخفه، وبالذات بعد أن تبين له أن جحا قد قصدها منذ البداية، وأن المسمار لا يعود عليه بشيء.. أي شيء.. سوى الرغبة في العكننة قدر إمكانه، بل بكل طاقته، على مالك البيت والتدخل في خصوصياته باستمرار!

من يومها، صارت الحكاية تضرب مثلا، على الشيء الذي هو في غير مكانه، أو على الرجل يتدخل فيما لا يعنيه، أو حتى على الدولة في عالمنا المعاصر تدس أنفها فيما لا شأن لها به، بأي حال!

ولن تجد فرقا بين جحا في زمانه، وإيران في زماننا، وهي تمد يديها، وأحيانا رجليها، في أكثر من عاصمة عربية، بدءاً من بيروت، ومروراً بدمشق، ثم ببغداد.. وأخيراً صنعاء.. لولا أن انتبهت القيادة الجديدة في المملكة العربية السعودية، وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، إلى خطورة هذا الدس الأخير، فراحت تطوقه من كل اتجاه، لعل طهران تفهم، ولعلها تستوعب، أن ما جاز لجحا في وقته، لا يجوز لها في وقتنا، ولعلها تدرك أن هناك فارقا كالذي بين السماء والأرض بين مجرد مسمار من حديد في أيام جحا، وطائفة من المواطنين في هذه العاصمة من العواصم الأربع أو تلك، لا يليق أن تعاملهم إيران وكأنهم مسمار لا روح فيه ولا عنده إرادة حية!

ثم لعل إيران ترى أن وجود مجموعة شيعية في هذه العاصمة من العواصم الأربع أو تلك، لا يبرر لها أبداً أن تقتحم هذا البلد أو ذاك في أي وقت، شأنها شأن جحا في عبثه بالضبط، وتنسى في الوقت نفسه أنه لا أحد ضد أن يميل المواطن اللبناني، أو السوري، أو العراقي، أو اليمني، إلى المذهب الشيعي أو يعتنقه، بشرط أن يكون ولاؤه الأول والأخير لبلده الذي يعيش على أرضه، ولوطنه الذي يحمل جنسيته، ولسمائه التي يتنفس هواءها.

تلك مسألة لا يتصور عاقل أن تكون موضع جدل أو نقاش، ولكن إيران، لأسباب سياسية خالصة، تجعل منها موضعاً للجدل، وللنقاش، ثم تنسى أن ذلك كله لا ينفي أنها تغالط، وأنها تخلط الأوراق، وأن ما تفعله مكشوف بكامله، ومرفوض في إجماله.

فإذا أضفنا إلى ما سبق، ما كان المرجع الشيعي العراقي علي السيستاني قد قاله قبل أيام، اتضح لنا أن حكاية جحا قد صارت حكاية فاسدة.

صارت فاسدة لأن السيستاني قال إن العراق لن يقبل بتبديل تراثه، ولا بتزييف تاريخه، وإن مساعدة إيران للعراقيين في مواجهة الإرهاب ليس معناها أن يفرّطوا هم، بصفتهم عراقيين عرباً، في هويتهم، ولا في استقلالية بلدهم!

إن إعادة قراءة حكاية جحا القديمة في ظل هذا الموقف المضيء للسيستاني، سوف تجعلنا نتخيل أن مسمار جحا قد جاءت عليه مرحلة من مراحل الحكاية، بادر هو فيها برفض وصاية جحا عليه، إذا جاز للمسمار أن يرفض الوصايات.. ثم راح يردها في وجهه، وينبهه إلى أن لزيارات البيوت، كالدول سواء بسواء في أيامنا، أصولاً وقواعد لا بديل عن أن تكون مرعية!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة