بوتين.. بين معرفة العالم وبين ابتزازه
بوتين.. بين معرفة العالم وبين ابتزازهبوتين.. بين معرفة العالم وبين ابتزازه

بوتين.. بين معرفة العالم وبين ابتزازه

في مواجهة الإصرار الروسي على إخضاع أوكرانيا، اختار الرئيس فولوديمير زيلينسكي الصمود. هذا لا يعني أن الحرب الأوكرانيّة حسمت، لكن الواضح أن الرئيس فلاديمير بوتين في وضع لا يحسد عليه في ضوء الخطأ في الحسابات الذي ارتكبه. بدأ الخطأ بالاستخفاف بزيلينسكي وبالشعب الأوكراني وجهله بالبلد الجار الذي كان إلى ما قبل العام 1992 جزءا من الاتحاد السوفياتي.

كان في استطاعة فلاديمير بوتين ربح الحرب من دون خوضها لو اعتمد العقل والمنطق والواقعيّة. بدأت في هذه الأيّام تتسرّب معلومات موثّقة تفيد أن أوكرانيا وافقت على الطلب الروسي القاضي بالامتناع عن الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) وذلك بمجرّد حشد بوتين جيشه على الحدود معها.

كان الانضمام الأوكراني إلى الحلف الحجّة التي استخدمها الرئيس الروسي لحشد قواته ثم تبرير شنّ حرب واسعة على بلد أوروبي في غاية الأهمّية. لدى أوكرانيا أهمّية خاصة واستثنائيّة في ضوء موقعها الجغرافي من جهة وما تمتلك من ثروات من جهة أخرى.

يبدو واضحا أنّ الرئيس الروسي كان يتطلع إلى أبعد من منع أوكرانيا من الانضمام إلى الأطلسي. كان يريد إخضاع هذا البلد كي يقول إن روسيا عادت قوّة عظمى وأنّ الاتحاد السوفياتي بعث حيّا عبر شخصه. إنّه جهل ليس بعده جهل بموازين القوى العالميّة وما الذي تعنيه أوكرانيا بالنسبة إلى الغرب عموما وإلى أوروبا تحديدا.

يعبّر فولوديمير زيلينسكي الممثل الكوميدي السابق عن رفض بلد ذي تاريخ عريق ومجيد السقوط مجددا تحت الاستعمار الروسي. يرمز الرئيس الأوكراني، اليهودي الذي يرأس بلدا فيه أكثريّة أرثوذكسية، إلى روح المقاومة لدى الشعب الأوكراني وإلى مدى الحساسية الأوكرانيّة تجاه المرحلة الاستعماريّة الروسيّة التي مرت بها بلاده، خصوصا في ضوء تذوّق أفراد هذا الشعب طعم الحريّة بعد العام 1992.

كشف الاستعمار الروسي مدى وحشيته بعدما استخدم الجيش الأحمر كلّ أنواع الأسلحة في حربه على أوكرانيا وعلى قراها ومدنها. لم يميّز بين المدني والعسكري ولا بين الرجال والنساء والأطفال.

بدأت تلك الحرب في الرابع والعشرين من شباط – فبراير الماضي. فشل الجيش الروسي في احتلال العاصمة كييف وإسقاط النظام. غيّر بوتين رهاناته ليجد نفسه بعد أشهر يواجه سلسلة هزائم في شمال شرق أوكرانيا التي أراد احتلالها وفرض أمر واقع فيها، تماما كما حصل في العام 2014 لدى استعادة الجيش الروسي شبه جزيرة القرم.

لا يزال باكرا التكهّن بهزيمة روسية ساحقة في أوكرانيا، على الرغم من مرور سبعة أشهر، إلّا بضعة أيام، على حرب كان يتوقع الرئيس فلاديمير بوتين أن تكون خاطفة. لكنّه يمكن توقع حرب طويلة تعود بالكوارث على أوكرانيا نفسها ويمكن أن تكون لها انعكاسات على المستقبل السياسي لبوتين نفسه.

بات بوتين معزولا إلى درجة دفعته إلى إلقاء نفسه في حضن “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران التي زودته بطائرات مسيّرة من جهة وطلب شراء أسلحة وذخائر من كوريا الشماليّة من جهة أخرى. قبل سنوات قليلة كانت كلّ أبواب أوروبا مفتوحة أمامه وأمام رجال الأعمال التابعين له.

لم يهتمّ العالم بالجرائم الروسيّة في سوريا ودعم بوتين لنظام بشّار الأسد الأقلّوي الذي جعلته “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران يقف على رجليه، وإن شكلا… لأسباب ذات طابع مذهبي أكثر من أيّ شيء. خلط بوتين بين سوريا وأوكرانيا!

كلّ ما يعرفه الرئيس الروسي أنّ لديه وسائل لابتزاز العالم. لديه السلاح النووي. لكنّ غيره يمتلك أيضا هذا السلاح الذي يصعب استخدامه. لم يستفق على هذه الحقيقة إلّا متأخّرا. لم يمض وقت إلّا وتوقف المسؤولون الروس عن ذكر السلاح النووي. لديه الغاز في الدرجة الأولى والنفط في الدرجة الثانيّة، لكنّه تبيّن أن دول أوروبا التي تعرف تماما أنّها مقبلة على شتاء قاس، باشرت إلى البحث عن بدائل من الغاز الروسي. سيحتاج ذلك وقتا طويلا، لكن بين خيار أن تكون أوروبا تحت رحمة الغاز الروسي وبين البحث عن بدائل، اختارت أوروبا البحث عن بدائل مهما كلّفها ذلك من تضحيات وإجراءات قاسية.

لا يمكن الحديث عن خطأ واحد ارتكبه فلاديمير بوتين بما سمح للجيش الأوكراني باستعادة أراض احتلّها الجيش الروسي في شمال شرق البلد.

عدد الأخطاء التي ارتكبها الرجل الذي لا يعرف معنى الاستفادة من تجربة انهيار الاتحاد السوفياتي وتحلله رسميا مطلع العام 1992، لا يحصى. بين هذه الأخطاء جهله بمدى استعداد الإدارة الأميركيّة ودول أوروبيّة أخرى لتزويد الجيش الأوكراني بأسلحة متطورة لا علاقة لها بالسلاح الروسي المتخلّف.

سمح ذلك لزيلينسكي بالذهاب أخيرا إلى مدينة إيزيوم المهمّة شمال شرق أوكرانيا ورفع العلم الأوكراني عليها بعيد خروج الاحتلال منها. يمتلك زيلينسكي شجاعة قلّ نظيرها ساعدت في بقاء الشعب الأوكراني مستعدا للمواجهة وتقديم التحديات.

الأكيد أن ما ساعد أيضا في الصمود الأوكراني المساعدات الأميركيّة والأوروبيّة المختلفة التي تقدّر بالمليارات من الدولارات. وحدها أميركا قدّمت في الأشهر الستة الأولى من الحرب الأوكرانية مساعدات قيمتها 45 مليار دولار.

خلاصة الأمر أن ساعة الحساب بالنسبة إلى الرئيس الروسي ستدق عاجلا أم آجلا. سيستفيد من دون شكّ من الروح الوطنيّة الموجودة لدى المواطن الروسي عموما، وهي روح مرتبطة بالبحث عن أوهام الماضي والتعلّق بها، لكنّ أصوتا، وإن كانت ضعيفة، بدأت تعلو وتطالب بالمحاسبة.

هل يهزم فولوديمير زيلينسكي فلاديمير بوتين؟ الجواب أن الرئيس الأوكراني هزم الرئيس الروسي. يؤكد ذلك أن بوتين لم يترك أمامه غير خيار التصعيد. حشر نفسه في زاوية التصعيد مثبتا أنّه لا يعرف العالم ولا يدرك أن ليس في استطاعة روسيا أن تكون دولة عظمى فيما اقتصادها أصغر حجما من الاقتصاد الإيطالي على الرغم من عدم امتلاك إيطاليا أيّ نفط وغاز…

لم يعرف الرئيس بوتين الفارق بين معرفة العالم وبين ابتزازه. لا يمكن ابتزاز العالم في غياب المعرفة به!

العرب

أخبار ذات صلة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com