اتجاهات

من زنزانة الكراهية إلى كرسي العرش

نجم عبد الكريم

نجم عبد الكريم

إعلامي وكاتب كويتي

+A -A
تاريخ النشر: 13 سبتمبر 2022 2:52 GMT

هاج وماج وأخذ الشّررُ يتطاير من عينيه، وهو يصرخ: - أيها الأوباش، أيها الحقراء، يا حثالات، يا سُقاطة البشَر... أنا فردريك ملك بروسيا سليل العمالقة، يُولد لي طفل

هاج وماج وأخذ الشّررُ يتطاير من عينيه، وهو يصرخ:

– أيها الأوباش، أيها الحقراء، يا حثالات، يا سُقاطة البشَر… أنا فردريك ملك بروسيا سليل العمالقة، يُولد لي طفل ليكون ولي عهدي، بهذا الضعف؟ بهذا الهُزال؟

– ولكن يا صاحب الجلالة… إنه في اللحظات الأولى من ولادته!

– اخرسوا… اخرسوا جميعاً… إن طفلي هذا هزيل، مُزرٍ، إنّه أشبه بالقُنفذ، وإني لن أسامح نفسي بالزواج من أمه التي كانت هزيلة هي الأخرى!

***

وظلت الكراهية مُلازمةً للابن طوال سنوات طفولته، فكان يتلقى الإهانات، والصفعات، إلى أن شبّ عن الطوق وبلغ العشرين من عمره، وعشق القراءة، ثم أخذ يدوّن بعض خواطره، وقد تمكّن الجواسيس من السطو على أوراقه التي سُلّمت لوالده الملك، حيث جاء في البعض منها: «إن أبي يبغضني بُغضاً شديداً، رغم محاولاتي المتكررة للاقتراب من قلبه، لكنّه لا يتورع عن صفعي أمام الحاشية، وكثيراً ما يكرّر علي «أنا عندما كنت في سنّك أيها التافه، كنت أسابق الريح من على ظهر حصاني»، ثم يبصق في وجهي.

– هل أنت مَن كتب هذه السطور؟

– نعم يا أبي، وإني أتقدّم إليك بشديد الاعتذار.

– لمَن تكتب مثل هذا الكلام؟

– لنفسي.

– لنفسك؟.. ثم لمن؟

– لا أحد يا والدي.

– أليس هذا الذي تكتبهُ تُحرّض به غيرك على كراهيتي؟

– أبي.. يشهد الله أني أجلُّك، وأحبّك، وأحترمك، وما أكتبه هو لمجرّد التنفيس، ليس إلّا.

– لعل صديقك الضابط كات هو الذي يُحرّضك لكي تصل مثل هذه الكتابات إلى أعدائي في إنكلترا؟

– أبي… إن صديقي كات من أشد الناس إخلاصاً لجلالتك.

***

تم إلقاء القبض على الضابط الشاب بتهمة الخيانة العظمى، ثم نقلَ الجواسيس إلى الملك أن ابنه يتردد على بيت أحد النبلاء له بنت شابة في مثل سنّ ولدهِ، فطلب أن يُؤتى بالفتاة لمقابلته، فأحضروها أمامه:

– ما شكل العلاقة بينك، وبين ولدي التافه؟

– علاقة لا تشوبها شائبة سيدي.

– هل أنت حامل؟

– يا صاحب الجلالة، أنا ابنة أحد نبلاء البلاد، وقد كان والدي قائداً لجيشك، وقد حرص على تربيتي تربيةً حسنة.

– ولهذا ستموتين أنتِ ومَن في بطنك ميتةً حقيرة!

وأمر بأن تُجلد عارية أمام الناس حتى الموت… ولما جاء والدها باكياً طالباً العفو عنها، أمر الملك أن يُلقى بالسجن إلى أن يموت.

***

ثم أمر الملك بإرسال ابنه إلى قلعة كارتز، ليُسجن في زنزانةٍ تُطل على الفناء، وجاؤوا بصديقه كات مقيداً تحت النافذة، فصاح الأمير:

– يا صديقي اغفر لي، أنا الذي سبّبت لك كل هذا العذاب… فردّ كات: وداعاً أيها الأمير الجميل، من أجلك تكون الحياة رخيصة.

***

وظل الأمير في الزنزانة المنفردة بضع سنين، وذات صباح جاء قائد الحرس الملكي قبالة القلعة صائحاً: افتحوا الباب… افتحوا الباب..

– هل معك تصريح من الملك؟

– افتح، فأنا رئيس الحرس الملكي.

– أنت تعلم أن فتح الباب ممنوع.

– افتح عليك اللعنة، أريد أن أصحب صاحب الجلالة الملك ليتولّى العرش… لقد مات الملك!

***

خرج الأمير فريدريك وليم من الزنزانة، ملكاً على بروسيا، ودخل التاريخ بلقب فردريك الأكبر باني الدولة البروسية!!

الجريدة

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك