اتجاهات

العراق و(خفة الدم)!

محمد الرميحي

محمد الرميحي

مؤلف وأستاذ علم الاجتماع

+A -A
تاريخ النشر: 10 سبتمبر 2022 1:58 GMT

أستخدم (خفة الدم) هنا كمصطلح معروف بمعنى (أهل نكتة) كما أستخدمه في الجزء الثاني كتعبير مجازي عن (رخص الدم العراقي). أبدأ بالأولى، فليس معروفاً على نطاق واسع أن

أستخدم (خفة الدم) هنا كمصطلح معروف بمعنى (أهل نكتة) كما أستخدمه في الجزء الثاني كتعبير مجازي عن (رخص الدم العراقي). أبدأ بالأولى، فليس معروفاً على نطاق واسع أن العراقيين أبناء نكتة. نعم ظهر فيهم من كان خفيف الظل، ولكن في الغالب الشخصية العراقية فيها من الصرامة أكثر مما فيها من (الملحة) على عكس أهل مصر الذين اشتهروا بالنكتة، وقد تسمع في مصر بين كل نكتة وأخرى واحدة ثالثة.
خفة الدم العراقي مؤخراً ظهرت من خلال تصريحات أصبحت معروفة وموثقة من اثنين من قادة «الإطار التنسيقي» (اسم أصبح السياسيون العراقيون متميزين في إطلاق الأسماء العجيبة). الاثنان قالا نفس الكلام وتقريباً بنفس الحروف. قال أحدهما يخاطب جمهوره «لقد كنت في زيارة لكوريا الجنوبية وسألني البعض هناك كيف تخلصتم من وجود الأميركان، ونحن نجاهد للتخلص منهم أكثر من نصف قرن ولم نستطع»؟! وقال القائد الثاني في «الإطار» متأكداً أنه «كان في اليابان وسئلت هناك كيف تخلصتم من الوجود الأميركي ونحن نعاني منه طوال أكثر من نصف قرن وغير قادرين على ذلك»… لا بد من الإشارة إلى أن المضمون الذي أراده (القائدان) أنهما من (أبطال التاريخ الحديث) حيث (طردا) (الاحتلال) الأميركي!!
أين خفة الدم هنا؟ إذا لم يكن القارئ الحصيف قد لمحها، هي في الواقع أن القائدين الفذين وغيرهما لولا الأميركان لظلا يبيعان الوهم في المنافي، من دون أن يعرفهما أحد! هي خفة دم ممزوجة بالكثير من الكوميديا السوداء؛ أولاً لأنهما اعتقدا أن من يسمعهما سوف يصدق القول، وفيه على الأقل خرقان كبيران، فليس معروفاً على نطاق عالمي أن كوريا الجنوبية أو اليابان ترغبان في التخلص من الوجود الأميركي، على العكس فإن الرغبة الرسمية والحكومية في هذين البلدين ترى أن يكون هذا الوجود أكثر موثوقية وديمومة. أما الخرق الثاني فقد اعتقدا أنهما يخاطبان ربما جمهوراً من (الحمقى)، وتناسيا أن في بلاد الرافدين عقولاً نيرة تستهجن تلك الخفة السياسية في الطبقة السياسية الجديدة التي نبتت في العراق بدون أدنى فهم سياسي مناسب للعصر، وينم سلوكهما عن أن فهمهما للعالم هو فقط محصور بجمهورهما الذي يشبهما! في وقت تعاني فيه الجماهير العراقية الفقر والبطالة. تفتقد معظم الطبقة السياسية بشكل عام التي أُفرزت بعد سقوط النظام السابق كلاً من الخبرة والحصافة، لذلك دخل العراق طريقاً مسدوداً لا خروج منه.
أما (خفة الدم العراقي) مجازاً في الثانية، بمعنى رخصه، فقد واصلت مسيرتها الدموية منذ أن قتل جندي أحمق عائلة بكاملها كانت قد سلمت نفسها في صبيحة يوم 14 يوليو (تموز) 1958 في قصر الرحاب الذي سمي بنزق (قصر النهاية)… منذ ذلك الوقت ومطحنة الدم العراقي لم تتوقف، فقُتل عبد الكريم قاسم في 8 فبراير (شباط) 1963 شر قتلة على كرسي في مبنى الإذاعة العراقية مع صفيه صاحب (محكمة الثورة) المضحكة في جلساتها (أيضاً ضحكاً مراً) وهو فاضل عباس المهداوي، والتي سميت محكمته العسكرية (مسرح العبث) التي كانت جلساتها تبث علناً في إذاعة وتلفزيون بغداد؛ أرسل الآلاف من العراقيين إلى حتفهم أولاً من رجال العهد القديم، ومن ثم من رجال ثورة عبد الوهاب الشواف التي اندلعت في الموصل في مارس (آذار) 1959، وأخيراً من (رجال الزعيم).
استمر حمام الدم في الانقلابات والتصفيات طوال عقود زمنية في العراق، وجاء صدام حسين ليقتل البشر بمجرد الشك فيهم، ثم أدخل العراق في حروب دفع فيها المواطن العراقي الكثير من الدم والعظيم من التضحيات. لم يتعلم أحد من هذه السلسلة الطويلة من تاريخ الدم العراقي، وحتى بعد سقوط النظام البعثي لم تنجُ قيادات دينية من القتل فقد اغتيل كل من عبد المجيد الخوئي ومحمد باقر الحكيم قرب ضريح الإمام علي في النجف، ثم بدأت التصفيات من خلال (المسدسات الكاتمة للصوت) فلم يعد أحد آمناً في العراق حتى اليوم.
حتى الساعة لم يظهر مشروع عراقي وطني عابر للتشرذم الطائفي وحديث يبتعد عن الماضي الدموي السلبي، كما يفارق البوصلة (التراثية المتمثلة في سيطرة رجال دين على السياسة) كي يبني عراقاً حديثاً منسجماً مع محيطه العربي والدولي، ذلك المشروع وإن كان في الحاضنة لبعض النخب العراقية إلا أنه لم يخرج على السطح، لأسباب عدة، منها كما هو ظاهر الخشوع الظاهري لرجال الدين (المذهب) ومنها الطبيعة الفردانية التي تتصف بها الشخصية العراقية في العموم، والتي وصفها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي بأنها (شخصية ازدواجية تحمل قيم البداوة والحضارة، فالعراقي أكثر هياماً بالقيم العليا ودعوته إليها في خطابه وكتاباته، ولكنه في الوقت نفسه من أكثر الناس انحرافاً عن هذه المثل في حياته)، وبسبب موقفه التحليلي هوجم الوردي ربما لأنه وضع يده على الوجع العراقي، وجاء من بعده أستاذ اجتماع حديث هو الراحل فالح عبد الجبار في كتابه المتميز (العمامة والأفندي). مع الأسف فالح لم يحز نقداً واسعاً ومعرفة، لكنه من المدرسة الحديثة التي شخصت الوضع العراقي كما شهده وقد مر عليه حكم البعث القمعي والتحرير الذي انحرف، فوصف المعضلة العراقية الحالية خير توصيف.
لا يبدو في الوضع القائم أن إيران في وارد التخلي عن العراق، كما لا يبدو أن الطبقة السياسية العراقية الموالية لها سوف تسلم بخطيئة الالتحاق بمشروع نكوصي، لأن المصالح هنا هي المتحكمة. ونشهد في العراق انشقاقات سياسية تؤذن بتفكك الدولة العراقية كما عرفت بعد الحرب العالمية الثانية.
ذاك أمر يقرع الجرس في الدول المحيطة، فقد يُتخذ العراق كمنصة قفز لإشاعة الفوضى في الإقليم، بسبب ضعف الدولة وهزالها، وليس من الأسرار أن قوى موالية لإيران تقوم باحتضان وتدريب المنشقين من بعض دول الجوار، كما ليس مستبعداً أن تنتعش قوى الإرهاب في هكذا حاضنة رثة.
آخر الكلام:
يكتب فالح عبد الجبار (يخلط رجال الدين والسياسة في العراق في فهمهم للدولة بين الفهم الاجتماعي (المادي)، وبين الفهم (المثالي)، مما يشكل اضطراباً في الوعي وتناقضاً في الممارسة).

الشرق الأوسط

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك