«على خطى العرب»

«على خطى العرب»

سمير عطا الله

غابت البرامج الثقافية عن التلفزيون العربي غيابًا شبه كامل. لا مردود لها.. فلا وجود لها إلا حيث ترد اللمحات الثقافية كجزء من عملية الترفيه والتسلية، كما ترد لعبة الكلمات المتقاطعة في نهايات الصحف.

أعادنا برنامج «على خطى العرب» إلى زمن الشعر، وأحيا فنًّا قديمًا من أعرق فنون العرب: الحكاية. كان الحكواتي، بقدراته، هو البطل وهو المسرح وهو تغير الأصوات في السرد، وهو تعدّد الأصوات واللهجات، تارة يعلو في المعركة، وتارة يلين أمام ديار عبلة، وفجأة يرمي برمحه العدو المهاجم فيرديه، ويهبّ السامعون وقوفًا، فيستمهلهم الراوي إلى الحلقة التالية وهم يتحرقون.

شاعت الكتب، فتراجعت مهنة الرواة. ثم جاءت السينما والإذاعة والتلفزيون، فأغلق آخر الحكواتيين دكاكينهم في أحياء بيروت ودمشق القديمة. ويقدم الدكتور عيد اليحيى «على خطى العرب» الآن مزودًا جميع الوسائل التي يدركها الحكواتيون وجمهورهم. صوت وصورة وألوان وبحث علمي تاريخي، ومن ثم يأتي دور السرد. ولا أدري إن كان الدكتور عيد أراد ذلك أم لا، غير أنه في الذهاب إلى أمكنة المعلقات وزمانها نقض إلى حد بعيد نظرية طه حسين حول الشعر الجاهلي، وخلاصتها أن لا وجود له، مكررًا القول: «ما يقال عنه إنه الشعر الجاهلي».

يربط «على خطى العرب» أبيات القصيدة بالمكان الذي تحكي عنه. وهو عادةً مكان قاحل إلاّ من بضعة أشجار سدر، تلك النبتة العظيمة التي تلمحها في الصحراء منتصبة الهامة في لفح الهجير وجفاف الزمان. مثلها مثل الإبل، علامة من علامات الجبابرة في معركة الحياة.

«على خطى العرب» بطاقة بريدية ساحرة من أماكن لم يعد يصل إليها أحد، تذكِّرك بقول جورج جرداق في «هذه ليلتي»: «وديار كانت قديمًا ديارا… سترانا كما نراها قفارا». في تلك الديار عاش الشاعر العربي وربعه وخلاَّنه. كان هو صوت القبيلة، يفخر بها وتفخر به، ويطلق اسمها في البوادي كي يهابها الأعداء ويتّعظ المتربّصون. عالم كنّا نظنه خيالا محته العقود، فإذا به يتجسد أمامنا، أو بالأحرى، أمام عصا عيد اليحيى، التي يدلنا بها إلى الأماكن والأديار والقفار التي ازدادت قفرًا. وقد قال الشاعر الفرنسي الفرد دوفيني من بلاد لا صحارى فيها: «نفتقد امرأً واحدًا فإذا العالم قفر».

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com