اتجاهات

لا تزحف على موسكو... ولا على الديمقراطية!

محمد الرميحي

محمد الرميحي

مؤلف وأستاذ علم الاجتماع

+A -A
تاريخ النشر: 11 مايو 2022 2:06 GMT

سال حبر كثير يتابع الحرب في أوكرانيا، وقدم كثيرون آراء مختلفة لتفسير هذه الكارثة ومتابعتها. في مدينة لندن، وفي معظم محلات بيع التجزئة تجد إعلاناً يقول "تبرعوا

سال حبر كثير يتابع الحرب في أوكرانيا، وقدم كثيرون آراء مختلفة لتفسير هذه الكارثة ومتابعتها.

في مدينة لندن، وفي معظم محلات بيع التجزئة تجد إعلاناً يقول ”تبرعوا لأوكرانيا“ ما يعطي انطباعاً بأن الحرب تهم عامة المواطنين، وفي الوقت نفسه، فإن المواطنين، ليس في بريطانيا فحسب، بل في دول الغرب بما فيها الولايات المتحدة، يعانون من التضخم شبه المنفلت. ففي بريطانيا اليوم هو في حدود 7 في المئة، ويعتقد الخبراء انه سيصل الى 10في المئة في نهاية العام جزئياً بسبب الحرب. ويضج الفرنسيون من غلاء المعيشة، وكذلك بقية الدول الغربية للسبب نفسه. بل في الانتخابات الفرنسية الأخيرة صوت 57 في المئة لماكرون فقط بالضد من احتمال وصول اليمينية المتطرفة مارين لوبن، إلا أن الإقبال على التصويت كان الأقل في تاريخ فرنسا منذ عام 1969.

في انتخابات المجالس المحلية (البلديات) في بريطانيا هذا الأسبوع خسر الحزب الحاكم (المحافظون) لمصلحة ”حزب العمال“ في ما سمته الصحافة البريطانية ”عامل بوريس جونسون“ رئيس الوزراء المثير للجدل، رغم تنفيذه سياسات شعبية مثل ترحيل اللاجئين غير الشرعيين الى رواندا في سابقة غير تقليدية للديموقراطيات الغربية وكانت خطوة مرحباً بها على نطاق واسع. في الولايات المتحدة تبيّن أن الكثير ممن صوتوا لجو بايدن هم الذين كانوا يكرهون أن يروا دونالد ترامب من جديد في البيت الأبيض، فالديموقراطية الغربية تعاني من أزمات في محيطها!

كل القيادات الغربية لها مواعيد في المغادرة أو التجديد، وحتى الأخيرة محدودة بزمن، على العكس من الدولة الشمولية، والتي تبقى فيها القيادات (الى الأبد)! ولو حتى من خلال انتخابات صورية منضبطة.
ربما هذ ما يبرز بشكل واضح أسباب الحرب في أوكرانيا، اذ اعتقدت موسكو أن الديموقراطية الغربية في مرحلة لا يقين، وأيضاً التشرذم، وهي الفرصة الذهبية للزحف!!

القضية الروسية في الذهن الغربي لم تكن وليدة اليوم، فقد كتب عنها الكثير، وهي هاجس عدد من الأكاديميين والصحافيين الغربين منذ فترة. واحد من الكتب التي تلفت النظر بعنوان ”نحتاج أن نتحدث عن بوتين“ وعنوان فرعي ”فهم الغرب الخطأ لشخصه“ للمؤلف مارك غاليتو، وهو خبير بريطاني في شؤون أوراسيا، وصدر عام 2019.

يرى غاليتو أنك لتفهم بوتين عليك أن تعرف شيئين، أولاً طريقة تدريب رجال الـ ”ك ج ب“ السوفياتي (وهو كان واحداً منهم)، والثاني تعرف طريقة تدريب رياضة الجودو. الأولى سرية وقاسية ولا تعرف الرأفة والثانية لاعبها لا يعرف الخطوة القادمة، ويعتمد على المفاجأة وانتهاز الفرص، وهي لعبة مغامرة ومخادعة!

يرى الكاتب أن بوتين يرغب في شيئين أساسيين في سياسته وهما: الأول السلطة والاستقرار في الداخل وأي معارضة يحب أن تكتم أو تصمت، والثاني الاعتراف به في الخارج كلاعب أساسي على المسرح العالمي. يعتقد الكتاب أن بوتين يرى أن الغرب أكثر نزاعاً في مكوناته الداخلية وبين دوله بسبب ممارسة الديموقراطية الليبرالية، وأن الأفضل لتحقيق أهداف روسيا هو جعل الغرب يعتمد على إمدادات الطاقة من روسيا واستخدام ذلك عنصراً فعالاً لزرع الخلاف في ذلك المعسكر.

يخلص الكاتب الى حقيقتين، (للتذكير كتابه كان قبل الحرب الأخيرة)، الأولى أن روسيا التي بناها بوتين بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وفقدت المحرك الايديولوجي لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها، فكثيراً ما تكون متناقضة. أما الحقيقة الثانية فإن المؤلف يقترح أن تحارب روسيا البوتينية ليس بالسلاح ولكن بالاقتصاد!! وهذا ما ينفذ الآن وله انعكاسات كبرى على العالم، بما فيها تغيير التحالفات.

الغرب الموحد أكثر قوة من روسيا، يتفوق عليها عشرين مرة في الدخل الوطني الكلي، وأكثر منها ست مرات في حجم السكان، وأكثر ثلاث مرات في عدد الجنود تحت الخدمة، ولكن بوتين ينتظر أن يخطئ الغرب لإعطائه فرصة الهجوم! يبدو أن الفرصة التي رآها الكاتب لم تأتِ، فخلقها بوتين بحساباته الخاصة وتحولت الى فرصة للغرب!

في السنوات الأولى لحكم بوتين (بعد عام 2000) ورغم أنه لم يكن يهضم الديموقراطية الغربية، الآن أنه أراد عملياً الاستفادة من التقدم الغربي، وجاءت الفرصة بعد هجوم أيلول (سبتمبر) 2001 الذي شنته ”القاعدة“، فكان أول المتصلين من رؤساء العالم بالرئيس جورج بوش الابن لإبداء التعاطف مع الشعب الأميركي. الغرب لم يكن معادياً لبعض طموحات بوتين، فحرب الشيشان لم تحرك كثيرَ غضب ولا حتى جزءاً من جورجيا، جزيرة القرم 2014 بدأت ردود الفعل المحسوبة، وكان بوتين قد احتاط لها بتنظيم استفتاء!

بوتين يريد إحياء القومية الروسية. في خطاب حالة الاتحاد عام 2012 قال: ”روسيا لم تولد في عام 1917 ولا حتى عام 1991، روسيا عمرها قرون طويلة وهي موحدة وقوية“. شعوره نحو الديموقراطية والحريات هو أنها يمكن أن تفتت الوحدة الروسية، لذلك عمل على تخريبها من الداخل في بلدان الغرب ما استطاع.

في الفصل الأول من كتاب الحرب الغربي استقرت مقولة ”لا تزحف على موسكو“. بقي أن تكتب موسكو في كتابها الاستراتيجي ”لا تزحف على الديموقراطية“! حتى إن بدت هشة!

النهار العربي

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك