اتجاهات

بوتين ليس سوى صدّام بسلاح نووي

خير الله خير الله

خير الله خير الله

كاتب وإعلامي لبناني

+A -A
تاريخ النشر: 04 مايو 2022 2:28 GMT

ليس في استطاعة أيّ كان التكهّن بما سيؤول إليه الوضع الأوكراني في ظلّ المأزق الذي وجد فلاديمير بوتين نفسه فيه. لا يوجد سياسي يمتلك حدّاً أدنى من المنطق، يغلق

ليس في استطاعة أيّ كان التكهّن بما سيؤول إليه الوضع الأوكراني في ظلّ المأزق الذي وجد فلاديمير بوتين نفسه فيه. لا يوجد سياسي يمتلك حدّاً أدنى من المنطق، يغلق أمامه كلّ الخيارات المتاحة ولا يبقي سوى على خيار التصعيد من منطلق امتلاكه السلاح النووي. تكمن مشكلة فلاديمير بوتين في أنّه لا يعرف العالم، مثله مثل صدّام حسين، الذي لم يخرج يوماً من الذهنيّة السائدة في العوجه (مسقط رأسه في تكريت).

اعتقد صدّام قبل ثلاثة عقود وسنتين أنّ تهديده بإحراق آبار النفط في الكويت سيجعل العالم يرضخ لرغباته بعدما اجتاح البلد الجار واحتلّه من دون التفكير في النتائج التي ستترتب على مثل هذه المغامرة المجنونة. قادت تلك المغامرة، صيف العام 1990، إلى هلاك النظام الذي أقامه صدّام في العراق وصولاً إلى إعدامه شنقاً في العام 2003 بعد أشهر قليلة من مغامرة أكثر جنوناً للرئيس الأميركي جورج بوش الابن الذي قرّر احتلال العراق وتسليمه إلى ايران!

حسناً، إن روسيا تمتلك السلاح النووي ولكن ماذا عن الآخرين الذين يمتلكون مثل هذا السلاح. هل في استطاعة روسيا استخدام السلاح النووي الذي سيجلب عليها ردّاً بالسلاح نفسه أم يفهم أنّ السلاح النووي لم يستهدف يوماً سوى إيجاد توازن رعب يحول دون نشوب حروب؟!

لا يشبه فلاديمير بوتين سوى صدّام حسين، ولكن مع فارق واحد هو القنبلة النوويّة التي يلوّح بها بين حين وآخر. لو اكتفى الرئيس الروسي بحشد قواته على الحدود الأوكرانيّة، لكان سارع العالم، على رأسه الولايات المتحدة، إلى الوقوف على خاطره والسعي إلى التوصّل إلى تسوية معه. لكن فلاديمير بوتين قرّر خسارة الحرب بدل كسبها وذلك بمجرّد دخول جيشه الأراضي الأوكرانيّة والسعي إلى السيطرة على العاصمة كييف وإقامة نظام مختلف في أوكرانيا بديلاً من النظام الحالي الذي على رأسه فولوديمير زيلنسكي الذي كان مجرّد ممثل استطاع الوصول إلى موقع رئيس الجمهوريّة.

مثله مثل صدّام، ارتكب فلاديمير بوتين كلّ الأخطاء التي يمكن لسياسي ارتكابها بدءاً بجهله لطبيعة البلد الذي ينوي احتلاله. لم يكن الرئيس العراقي الراحل يعرف شيئاً عن الكويت. اكتشف متأخراً أنّ لا وجود لمواطن كويتي مستعد للتعاون مع الاحتلال والقبول به. ما النموذج الذي كان في استطاعة صدّام حسين تقديمه إلى أي كويتي غير نموذج نشر البؤس والتخلّف؟

دخل الجيش الروسي الأراضي الأوكرانية في الرابع والعشرين من شباط (فبراير) الماضي. كان في اعتقاد فلاديمير بوتين أنّ معظم الأوكرانيين معه. اكتشف متأخّراً أنّ ذلك ليس صحيحاً وأنّ أوكرانيا التي انفصلت عن الاتحاد السوفياتي، بعد انهياره، صارت أوكرانيا أخرى بعدما تعرّف شعبها إلى معنى الحرّية. وصل الأمر بالأوكرانيين، وهم في أكثريتهم من الأرثوذكس، أي أنّهم مسيحيون، إلى انتخاب زيلنسكي رئيساً للبلاد، على الرغم من أنّه يهودي.

مثلما فاجأت شجاعة الشعب الكويتي صدّام حسين، فاجأ الأوكرانيون فلاديمير بوتين. كانت حساباته في غير محلّها، بما في ذلك الاستخفاف بقدرة الجيش الأوكراني على المقاومة والصمود في وجه آلة حرب روسيّة، أقلّ ما يمكن أن توصف به أنّها آلة متخلّفة.

مثله مثل صدّام حسين، فقد فلاديمير بوتين ثقة العالم المتحضر به. لم يعد هناك من يريد التعاطي معه أو يثق به. فقد الرئيس العراقي الراحل ثقة العرب الآخرين والعالم عندما اجتاح الكويت معتقداً أنّ هناك من سيتفاوض معه على أمور أخرى غير الانسحاب من دون شروط من الدولة الجارة التي تمتلك ثروة نفطية كبيرة. رفض صدّام الخيار الوحيد الذي كان متاحاً له… خيار الانسحاب من دون شروط.

يرفض فلاديمير بوتين حالياً أي خيار آخر غير التصعيد وذلك من أجل تحقيق انتصار ما قبل التاسع من الشهر الجاري يوم ”عيد النصر“ في الحرب العالميّة الثانيّة.

لا يدري الرئيس الروسي أنّ الانتصار الوحيد الذي يمكن أن يحقّقه بعد دخول الحرب الأوكرانيّة شهرها الثالث هو الإنتصار على الذات. هذا يعني الاعتراف بأنّ روسيا ليست قوّة عظمى، ولا يمكن أن تكون كذلك، وأن كل صواريخ العالم وقنابله النوويّة لا تفيد في شيء عندما يكون الاقتصاد الروسي أقلّ حجماً من الاقتصاد الإيطالي…

سقط فلاديمير بوتين في الفخّ الذي سقط فيه صدّام حسين في العام 1990. اعتقد صدّام أنّ العراق صار قوة إقليمية عظمى بدليل صمود جيشه في وجه إيران طوال ثماني سنوات وتحقيق شبه انتصار على ”الجمهوريّة الإسلاميّة“. لم يتوقّف لحظة ليسأل نفسه عن الظروف التي سمحت بتحقيق شبه انتصار على آية الله الخميني وإيران وإجبار الخميني على تناول ”كأس السمّ“ بقبوله قرار مجلس الأمن الرقم 580 الذي أوقف الحرب العراقيّة – الإيرانيّة.

يرفض فلاديمير بوتين الوقوف أمام المرآة وسؤال نفسه لماذا أوكرانيا مختلفة عن سوريا حيث يتصرّف جيشه بحرّية كاملة. يقتل ويدمّر كشريك مع الميليشيات الإيرانيّة في الحرب على الشعب السوري. هل يستطيع استيعاب أنّ أوكرانيا ليست سوريا وأن الاحتلال الروسي لها يعني أنّ كل دولة أوروبيّة ستشعر بأنّها صارت مهدّدة؟

في حال استطاع استيعاب معنى التهديد الذي تشعر به أوروبا، لكان بحث عن خيار آخر غير التصعيد، وهو الخيار الذي حشر نفسه فيه، تماماً كما فعل صدّام حسين قبله في العام 1990 من القرن الماضي. كلّ ما في الأمر أنّ ثمّة درساً يرفض الرئيس الروسي التعلّم منه لا أكثر ولا أقلّ.

النهار العربي

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك