اتجاهات

ضد التاريخ... ليس في أوكرانيا وحدها!

محمد الرميحي

محمد الرميحي

مؤلف وأستاذ علم الاجتماع

+A -A
تاريخ النشر: 04 مايو 2022 2:23 GMT

بدا من الحرب الروسية ضد أوكرانيا، والتي طالت أكثر مما قدرتها موسكو، أن الإدارة السياسية هناك لم تقرأ التحولات العميقة التي حدثت في ربع القرن الأخير... جلها

بدا من الحرب الروسية ضد أوكرانيا، والتي طالت أكثر مما قدرتها موسكو، أن الإدارة السياسية هناك لم تقرأ التحولات العميقة التي حدثت في ربع القرن الأخير… جلها تحولات حول ”الدولة الوطنية“ بل وحتى دونها، وآخر مظاهرها ما حدث في الانتخابات الفرنسية الأخيرة، على رغم نجاح إيمانويل ماكرون، إلا أن شريحة وازنة من الفرنسيين قد صوّتت لمارين لوبن الداعية إلى استقلال أكثر للفرنسيين والابتعاد مما عرف بالديموقراطية الليبرالية والذوبان في أوروبا.

في جانب آخر، فإن قراءة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعمق، وهو خروج عسير كلف البريطانيين الكثير، ومع ذلك فضلوا أن يخرجوا من ”الوحدة“، تستنتج منها أنك أمام الظاهرة ذاتها: ”الاستقلال الوطني“.

في بريطانيا نفسها هناك مكانان مرشحان للخروج من المملكة المتحدة، الأول هو اسكتلندا، والذي يسيطر على هواها السياسي منذ فترة الحزب القومي الاسكتلندي الذي يدعو إلى الانفصال، وقد كان استفتاء عام 2014 قريباً من الخروج من الاتحاد. والآخر هو شمال إيرلندا، ويسيطر عليها حزب شنفين المطالب بالخروج من بريطانيا، وربما الانضمام إلى إيرلندا. في إسبانيا فإن حوادث إقليم كاتالونيا لا تزال في الذهن، وقد اندلعت عام 2017 في المنطقة التي تقع شمال شرق إسبانيا، وهي غنية بالموارد وتتمتع بحكم ذاتي منذ عام 1931، وقد ألغاه فرانكو عام 1936 ثم أعيد العمل بالحكم الذاتي بعد صراع أواخر عام 1979، أي أن هناك صراعاً طويلاً من أجل ”الاستقلال الكامل أو الجزئي“، وهو لم يختف إلى اليوم.

بالقرب من روسيا الاتحادية، خاض شعب بيلاروسيا صراعاً في عام 2020، وقد فجره الإعلان عن فوز الرئيس لوكاشنكو بولاية سادسة (!)… في وقت يتوق شعب روسيا البيضاء إلى الحرية والتعددية، وتداول السلطة، وبالطبع الخروج من ظلال موسكو باتجاه أكثر استقلالية وأكثر ”أوروبية“. وتوالت أعمال عنف من الدولة ضد المحتجين الذين صعدوا في الشارع حتى لوّحت موسكو بالتدخل، وأطل شبح تدخلها في جورجيا وجزء من أوكرانيا للعودة من جديد.

في بداية هذا العام 2022، شهد العالم اضطرابات في كازاخستان التي تجمعها مع روسيا الاتحادية حدود طويلة، وتدخلت روسيا بقوات ”حفظ السلام“، وهي بلاد لديها مخزون من الموارد الطبيعية وموقعها استراتيجي.

كل المؤشرات تقول إن القرن الحادي والعشرين هو قرن الثقافات المختلفة، فلا تستطيع دولة، بعد التقدم الهائل في وسائل المواصلات والاتصالات، أن تقمع أو تقلل من قدرة ثقافة مجموعة من الناس تجمعها عناصر مشتركة وإقليم جغرافي من تحقيق أمنياتهم في التحرر والديموقراطية.

إن أخذنا بكل تلك المؤشرات، فإن الحرب في أوكرانيا هي ربما حرب ”ضد التاريخ“، أو أكثر دقة، ضد ثقافة تنمو وتسرع في التوسع نحو طلب الحرية والاستقلال، وأن تقوم دولة بإلغاء ثقافة وخصوصية مجتمع آخر لأنها فقط جارة أو تهدد أمنها المتصور، فتلك مسيرة مضادة لما يذهب إليه العالم في زماننا.

اليوم، وعلى رغم أن أوكرانيا ليست عضواً في حلف شمال الأطلسي، إلا أن المساعدات العسكرية والمالية والدبلوماسية الواردة من أعضاء الحلف بكثافة، تجعل الأمر وكأن البلاد جزء لا يتجزأ من ذلك الحلف والذي سوف يطيل أمد الحرب التي تؤثر على العالم أجمع.

على مقلب آخر، فإن صراع الثقافة الوطنية والتوق إلى التحرر مع المختلف، نلمسها في أماكن عديدة من العالم، منها كشمير (الهند وباكستان) إلى اليمن (شمال وجنوب)، إلى العراق (كرد وعرب)، والصومال (قبائل ضد قبائل)، إلى لبنان (تحرر من الهيمنة الإيرانية)، كلها لها تفسير مشترك مع ما يحدث في أوكرانيا (الصد بالقوة لثقافة وطنية استقلالية). في روسيا نفسها هناك شواهد على ”سلطة الثقافة“ وقوتها وتأثيرها في المجتمع، فبعد سبعين عاماً من ”الدين أفيون الشعوب“ وإلغاء وهدم كل المظاهر الدينية ودور العبادة على أنها ”ملهاة للشعوب“، نجد السيد فلاديمير بوتين يحمل منذ أيام شمعة في عيد الفصح ويردد التراتيل خلف بطريرك موسكو بشعائر الأرثوذكسية، البطريرك نفسه الذي وصف عهد بوتين بـ“المعجزة“ في دورة كاملة من أفيون الشعوب إلى عصا لجلب الخارجين عن القطيع إلى الحظيرة!

وقريباً منا بعد عشرات السنوات من التعاليم العلمانية البعثية في العراق، نجد العودة إلى ”الشعائر“ و“الطقوس“ أكثر قوة وتنوعاً، وحتى في الاجتماعات السياسية!

الجميع من حولنا يرتكبون أخطاءً، ولكن هناك من يرتكب أخطاء تاريخية تسير باتجاه مضاد لمسيرة التاريخ، ذلك ما تقوم به روسيا في أوكرانيا، وقامت به في سوريا (في مساندة الطرف الخطأ من التاريخ)، وكذلك ما تقوم به إيران في اليمن وسوريا والعراق ولبنان، إنها مسيرة مضادة للتاريخ ومصيرها الفشل، بصرف النظر عمن يقول في النهاية إنه انتصر.

النهار العربي

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك