جلد الفتاة أم جلد الحقيقة

جلد الفتاة أم جلد الحقيقة
محمد فهد الحارثي

أثارت صورة وضعها كينيث روث المدير التنفيذي لمنظمة حقوق الإنسان لفتاة يتم جلْدها على أنها من السعودية ليتضح بعد ذلك أن الصورة من إندونيسا، وليس لها علاقة بالسعودية. واعترف السيد روث في حديث لجريدة عرب نيوز السعودية بالخطأ وأنه سحب الصورة من حسابه في توتير.

وقال إنه أدرك أن الصورة لم تكن من السعودية وأنها من إندونيسا. والاعتراف عمل يحسب له ولشخص في موقعه. لكن الضرر قد حصل، فالصورة تناقلتها مواقع وشبكات التواصل الاجتماعي. وأثارت ردود فعل سلبية وهجوماً على السعودية.

ورغم أن من يطالع الصورة يدرك أنها ليست من السعودية من خلال الجو العام للصورة واللوحة المكتوبة باللغة الأجنبية. إلا أن الجمهور في معظمه لا يلم بهذه التفاصيل، وبالتالي يتقبلها كحقيقة. وكشفت عرب نيوز أن الصورة نفسها ظهرت في صحيفة إندونيسية (ذا ايج) في مايو من العام الماضي.

وجاء استخدام الصورة مع مقالة للكاتب روث ينتقد فيها النظام القضائي في السعودية. وهو يقول إنه لم يشر في المقالة إلى أن الصورة من السعودية. ولكن المنطق يقول حينما تضع مقالة تتنقد فيها قضية ما، وتضع معها صورة فمن الطبيعي أن ترتبط المقالة مع الصورة.

القضية أن الصورة كما يقال تساوي ألف كلمة، تأثيرها قوي وتدوالها سهل، خاصة في وجود شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية. ويقول الإعلاميون إن الصورة ليست محايدة، بل هي متحيزة أحياناً. وفي نفس الوقت يمكن توظيفها لخدمة الفكرة. أي أنها وسيلة لتمرير فكرة أو هدف يسعى إليه صاحب الخبر. ولذلك تكون الصورة نفسها متحيزة.

وحينما سئل إعلامي ما هو الخبر قال أينما توجد الكاميرا. وهذه حقيقة فقصص صحفية مأساوية تمر مرور الكرام لأن الكاميرا غابت وبالتالي ماتت الحقيقة، بينما حدث بسيط ترصده الكاميرا يتحول إلى خبر تتناقله وكالات الأنباء ويثير ردود فعل من دبلوماسيين للتعليق على الحدث. الحقيقة نسبية، ولذلك هناك من يستغل هذا الهامش ليقول نصف الحقيقة، ويغلفها بأهدافه.

والرسالة تصل والتأثير ينتشر. والناس بطبيعتهم عندهم الرغبة لتلقف الأخبار السلبية. وقد تحولت هذه إلى إحدى وسائل الحرب النفسية. فالمجتمعات الخليجية تتعرض إلى حرب من خلال شبكات التواصل الاجتماعي للتأثير على قناعاتهم.

وقد تم كشف عدد كبير من الحسابات المزيفة في شبكات التواصل الاجتماعي بأسماء خليجية تعمل على تأجيج الرأي العام وإثارة النعرات في المجتمع. وقد كشف في تصريح سابق الشيخ عبدالمنعم المشوح رئيس حملة السكينة، وهي منظمة سعودية غير حكومية.

تسعى إلى إقامة حوارات على الإنترنت لمكافحة التطرف، عن ‪وجود‬ عدد كبير من الحسابات المزيفة في شبكات التواصل الاجتماعي، بأسماء سعودية وخليجية تعمل على تأليب الرأي العام في بعض الملفات، وقال إنه تم التعرف على مصدر تلك الحسابات، وتبين أن معظمها تدار من دول خارجية وليس من الداخل.

وقال إنه تم رصد 90 تغريدة تروج للفكر الإرهابي في الدقيقة الواحدة. وأن هناك أكثر من 130 ألف تغريدة ذات محتوى متطرف على موقع توتير كل يوم. أرقام مخيفة وهجوم منظم.

الحرب الإعلامية خطيرة. والدول أدركت أن تأثير الكلمة أقوى من تأثير السلاح. ولذلك أصبح استخدام الإعلام ضمن وسائل الضغط. وتكون الهجمة شاملة من خلال وسائل الإعلام أو التسربيات. وأحياناً تستخدم منظمات الحقوقية الدولية في هذه الظغوط وربما بدون معرفتها، ولكنها تسير في نفس الاتجاه العام.

وهناك مراكز أبحاث متخصصة في دوائر الاستخبارات تتخصص في كيفية تنظيم هذه الهجمات الإعلامية واستخدامها في التوقيت الذي يخدم أهداف سياسية. الضجة التي أثارتها هذه الصورة (الخطأ) لجلد الفتاة تعطي فكرة عن حجم التأثير الخطير للغة الصورة وهيمنتها.

وهي التي أصبح لها دور السيادة ضمن الأدوات الثقافية والإعلامية. ومن يشاهد الأفلام التي تنتجها داعش لعملياتها الاجرامية والمستوى الإخراجي الهوليودي، يدرك أن الحرب هي إعلامية، واستخدام تأثيرات والصوت والإخراج هي حرب نفسية مدروسة.

السؤال كم من آلاف الصور والأفلام والمقالات التي تبث يومياً وتترسخ في العقل الجمعي للمشاهدين. ويكون الضحية دائماً هي الفضيلة التي يتكلمون عنها في النهار ويقتلونها في الظلام. إنها الحقيقة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com