اتجاهات

وقف السلطة الفلسطينية رواتب موظفيها

عدلي صادق

عدلي صادق

عدلي صادق كاتب رأي

+A -A
تاريخ النشر: 27 يونيو 2020 1:34 GMT

عدلي صادق من خلال أبسط أدوات التحليل بدا واضحا على نحو جليّ، أن وقف رواتب موظفي السلطة إجراءٌ مفتعل، وأن ذريعته المعلنة مردودة على أصحابها، لأن احتباس المحتلين

عدلي صادق

من خلال أبسط أدوات التحليل بدا واضحا على نحو جليّ، أن وقف رواتب موظفي السلطة إجراءٌ مفتعل، وأن ذريعته المعلنة مردودة على أصحابها، لأن احتباس المحتلين الأموال الفلسطينية يختلف عن رد السلطة هذه الأموال للاحتلال، بعد أن تصبح في يدها. فكيف بمقدور الفلسطينيين أن يفسروا وصول المال الفلسطيني إلى يد السلطة الفلسطينية، ثم تعيده السلطة إلى مرسليه، دون أن يفتشوا عن حكاية أخرى تتوالى فصولها في أكثر من سياق؟!

كعادتها، ترتجل حلقة محمود عباس الضيقة تكتيكاتها، وتنكشف مقاصدها. ففي هكذا خطوة على سبيل المثال، لم تحسب حسبتها جيداً، قبل أن تطلب 100 مليون دولار شهرياً من العرب لتغطية عجز موازنتها. فلا يستقيم بعد رفض استلام أموال مستحقة للشعب الفلسطيني من أي طرف كان أن تطالب بالتعويض من آخرين. ثم إن من يقاطع لا يخصم من نفسه حقوقًا له. فبمقدوره أن يأخذ حقه أولا، ثم أن يتشاطر لكي يغير شروط اللعبة التي أوقع نفسه فيها لنحو ثلث قرن. فما هي العلاقة بين قرار وقف العمل بالاتفاقات، وحق الطرف الفلسطيني في استرداد مستحقاته من عائدات نشاطه التجاري؟ إن ما يقال الآن، في أوساط الموظفين الفلسطينيين، وغالبيتهم العظمى من المسيسين، يصب في الاتجاه المعاكس لما ذهبت إليه السلطة في تعليلها. فعندما تكون إسرائيل هي التي احتبست الأموال، يكون التعليل مقبولاً!

واضح أن المطلوب، هو تعميم البؤس، وتطيير الرسالة إلى الكادر الفلسطيني وإذاقته شيئا من الفاقة والجوع، لكي يعلم بأن التشدد في المواقف ضد خطة دونالد ترامب أو خطة الضم، أو خطة فصل غزة عن الضفة، سيجلب شقاء في الحياة لا يُحتمل.

فلماذا يتوقف صرف الرواتب الجارية؟ الجواب يعرضه شكري بشارة وزير مالية عباس بلغة محاسبية، أما عباس ومندوبه إلى “الطرف الآخر” فإن جوابهما كان بلغة سياسية، تفوح منها رائحة التحايل. لكن السؤال الآن: أليست هناك وسيلة لأن تتلقى السلطة حقوقها من الأموال الفلسطينية، دون أن يكون هناك عناق وتشابك أيدي بين مندوب عباس ومندوب بنيامين نتنياهو؟ أليست هناك أطراف دولية، لها علاقاتها مع إسرائيل ومع السلطة الفلسطينية، يمكن أن تؤدي دور الوسيط، في موضوع الحقوق المالية للسلطة، ولو في حدود الوسيط المصرفي؟ فإن كان المحتلون قد أرسلوا من الأموال الفلسطينية ما أرسلوه الى الخزينة الفلسطينية؛ فهل يجوز أن تُعيد السلطة أموال الناس إليهم، تحت عنوان أنها في حل من الاتفاقات مع الاحتلال؟ أم إن في الحكاية موالا آخر؟

هناك نوايا لا تخفى، وهي أن عباس وحلقته الضيقة أحسوا بالخطر، فكان خيارهم الاشتغال على تعميم البؤس في المجتمع الفلسطيني، ومد حبال صبر الناس الطويل على الظلم حتى انقطاع الأنفاس. ويريدون أن يجري ذلك، في سياق من مزاعم البطولة الزائفة والصلابة الوطنية وشعارات من شاكلة نجوع ونموت ولا نرضخ. ولكي لا يتنبه الناس لهذه اللعبة، يجري تكثيف ومضاعفة عمل الذباب الإلكتروني لنزع ثقة الناس بالناس. وفي هذا التكتيك تراهم يرتجلون ويستخدمون وسائل محروقة، فتنكشف المقاصد الإسرائيلية المخبأة. فماذا يعني -مثلاً- أن تتعرض أية شخصية للإساءة البذيئة، في اليوم التالي لدعوتها إلى الوفاق الوطني والتسامي على الجراح؟ مشغلو الذباب الإلكتروني يعلمون أن الهرطقات التي يكررها ذبابهم لا تنطلي على أحد، لكنهم يصرّون على التشغيل، لأن المطلوب هو إرباك الساحة وخلط الأوراق وتيئيس الناس من احتمالات أن تكون هناك قوى وأصوات واصطفافات وطنية، تؤدي دورها لإنقاذ الوضع الفلسطيني. فالتدابير كلها تتكامل. وقف الرواتب، مفتعل لإيصال الناس إلى الحال الذي عبر عنه العديد من الشباب في وسائل التواصل، بسخرية مريرة، عندما كتبوا كلاما مؤلما، بمعنى أن الأرجحية لخبز الأولاد. ومحاولات النيل من الناشطين الوطنيين غرضها إدامة الخصومة وضياع البوصلة.

الشعب الفلسطيني صاحب تجربة طويلة مع الاحتلال، وعبر عقود من الزمن، كان مئات الألوف من الفلسطينيين الذين اشتغلوا في سوق العمل الإسرائيلية، يرفضون كل مشاريع التصفية ويقاومونها، ولم يغيروا قناعاتهم في مفردات قضيتهم، ولم يتوقف مجتمعهم عن إنتاج المقاومين والغاضبين حتى الطعن أو الدهس.

إن التصدي للصفقات والخطط، ليس بالخزعبلات اللفظية والثرثرات، والامتناع بعناد عن وضع نقطة واحدة على حرف واحد من عيوب الكيان السياسي أو تخفيف شيء ولو كان جزئيا من عار الانقسام.

اليوم، يحاولون إخراج الناس عن أطوارهم، فيضربونهم في رزقهم، في محاولة لدفعهم إلى غير مواقعهم الطبيعية، لذا ارتجلوا حركة مسرحية، مثيرة للسخرية، بتمثيل الامتناع عن تسلم الدراهم الفلسطينية، حزنا وقلقا بسبب خطة الضم!

إن كانت العذرية هي المشكلة، وأن الأطهار، لا يقبلون تلويث أيديهم بالمال الذي مسه الشيطان؛ فمن هم الذين رتبوا للشعب الفلسطيني أن يأخذ حقوقه من واردات التجارة، بهذه الطريقة؟ فعلى أية حال، يمكن أن يتكفل الروس أو الأتراك أو القطريون أو حتى العمادي المُجرّب ميدانيا، باستلام الدراهم من شلومو، وتسليمها لشكري، خازندار عباس. أما الضحك على الذقون، فأمره مكشوف. إن ما يريدونه هو تعميم البؤس وتعميق الخصومات، وتشغيل الذباب، لكي يفقد المجتمع الفلسطيني ما تبقى من عافيته!

العرب

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك