اتجاهات

أردوغان.. وفن "شعرة معاوية"

محمد خلفان الصوافي

محمد خلفان الصوافي

كاتب إماراتي

+A -A
تاريخ النشر: 16 يونيو 2020 1:07 GMT

محمد خلفان الصوافي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عاش حياته السياسية كلها في معارك متصلة، من أيام أستاذه نجم الدين أربكان، ومنعه قانونياً من ممارسة السياسة، إلى

محمد خلفان الصوافي

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عاش حياته السياسية كلها في معارك متصلة، من أيام أستاذه نجم الدين أربكان، ومنعه قانونياً من ممارسة السياسة، إلى اختلافاته مع رفقاء دربه الرئيس السابق عبدالله غول ومنظّر إستراتيجية العمق الإستراتيجي أحمد أوغلو، إلى توريط بلاده في العديد من الحروب الإقليمية في سوريا وما نتج عنها من تبعات مع الدول الأوروبية منها الهجرة غير المشروعة، إلى تبني قضايا داخلية عربية مثل التدخل في دعم نظام محمد مرسي الذي رفضه الشعب المصري، ومقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، إلى المعارك التي يخوضها الآن في أكثر من جبهة منها على سبيل المثال الدول المحيطة بالبحر المتوسط، قبرص واليونان وصولاً إلى التدخل العسكري في ليبيا، واتهام دول خليجية مثل دولة الإمارات والسعودية بأنها تقف وراء الفوضى في اليمن وليبيا، مع أن الحقيقة أن الدولتين تدافعان عن أمنهما الإقليمي والوطني.

أغلب هذه المعارك كانت بسبب تصدي الدول العربية لعمليات الفوضى الأمنية والسياسية في المنطقة بسبب تيارات الإسلام السياسي، كما في سوريا وتونس ومصر والآن في ليبيا، التي تبدو أنها ستكون آخر معارك “مغامرات” أردوغان التي تبرز أنها عمل أكبر من المعارك السابقة التي خاضها، ليس لأنها تضر بالعديد من مصالح دول الجوار الليبي، عربية وأجنبية، ولكن هناك رغبة دولية للتصدي لظهور نظام خطر آخر يهدد الاستقرار الدولي بعد أن عانى المجتمع الدولي من أفعال النظام الإيراني.

بمتابعة تصرفات أردوغان نجد أنه قد نسف العديد من التجارب التركية الناجحة التي تسببت في الفترة الأولى لحكم حزب العدالة والتنمية في أن تكون تركيا واحدة من أكثر دول العالم نمواً رغم الأزمة الاقتصادية، فتسبب في خلافات داخلية نتيجة لتراجع مكانة تركيا الدولية والإقليمية، فلم تعد ذلك النموذج الذي أراد الجميع في فترة ما تقليده، حيث تراجعت نظرة الإعجاب والتأييد، والمشكلة أن مغامراته أساءت للدولة التركية أيضاً.

حالياً، باستثناء ممثلي تنظيم الإخوان المسلمين في الدول العربية ومعهم بعض الحكومات المتورطة في ملفاتهم مثل نظام الحمدين في قطر، ورئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي، ومعهما حكومة فايز السراج في ليبيا، فإن أغلب الشعب العربي ومعه أغلب الحكومات العربية يتصدون اليوم لأجندات أردوغان القائمة على إعادة الخلافة الإسلامية، التي يدرك العقلاء من العرب والغرب أنه لن يستطيع إعادتها، ليس لأن قدراته لا تؤهله ولكن لأن الظروف الدولية تغيرت وأن “أذرعه السياسية” التي كان يراهن عليها في الدول العربية تم “قصها وبترها”.

ولكن الأمر بشكل عام حالة من التخبط السياسي يعيشها نظام أردوغان، أدت لأن يفقد القدرة على العودة عن مغامراته، بل يمكن أن تؤدي به إلى المحاكمة الشعبية في تركيا. لذلك، فكل ما يعمله الآن هو الهروب من الواقع بالسير إلى الأمام وتأزيم كل الملفات وتركها مفتوحة دون حل.

إن رفض تركيا للمبادرة التي طرحتها مصر للسلام في ليبيا، والتي يبدو أنها تكسب كل يوم تأييداً دولياً ستكون آخر معارك أردوغان، فالمؤشرات الداخلية في تركيا المتمثلة في توسع المعارضة ضده، وكذلك استفزازه المستمر للدول الكبرى روسيا والولايات المتحدة (رغم وجود انقسام داخل الإدارة الأميركية حول الموقف من دعم المبادرة المصرية) مع تهديد الاستقرار الإقليمي للدول المطلة على البحر المتوسط، كلها “كروت سياسية” تؤهل نظام أردوغان لخسائر كثيرة حول النموذج السياسي والاقتصادي لتركيا والتي كانت قد اختصرها منظّر حزب العدالة والتنمية في 2008 أحمد أوغلو، في نظرية “صفر مشاكل”.

دائرة الخصوم هذه المرة ليس فقط زاد عددها، ولكنها تنوعت واختلفت في تقدير مصالح بلدانها، وبات وضع أردوغان ينتقل من مرحلة سيئة إلى أخرى أكثر سوءاً، حتى لو صمتت الحكومات التي يتفق معها في الأيديولوجيا، فإذا كانت ليبيا فيها من يؤيد مغامراته، فإن حزب النهضة في تونس منقسم على نفسه، ما يعني أن اختيار توقيت رفض المبادرة لم يكن موفقاً فيه.

يضيّع أردوغان الفرص التي يمكن أن تحافظ على مكانة معينة لصورة النموذج التركي التي ظهرت في بدايات صعوده السياسي، بل إنه تحول خلال الفترة الأخيرة إلى مخرب لأي علاقة يمكن أن يحفظها التاريخ العربي والخليجي مع تركيا في مرحلة حكمه، فقد أكدت مع كل المحاولات العربية الدولية لإصلاح مغامراته أنه لا يجيد فن “شعرة معاوية”.

العرب

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك