لبنان.. ودخول عهد التقشّف

لبنان.. ودخول عهد التقشّف

عبدالوهاب بدرخان

مطلع ستينيات القرن الماضي جاءت بعثة «إيرفد» (مؤسسة فرنسية) إلى لبنان لدراسة وضعه الاقتصادي، ووضعت خطة تركّز على الزراعة والمياه، بغية إنماء المناطق الريفية. منتصف التسعينيات طُلبت من شركة «بكتل» الأميركية دراسة الحاجات التجهيزية والتنموية للبلد الخارج من حرب أهلية استمرّت 15 عاماً، وفي ضوء خطّتها رُسمت مشاريع لمراحل زمنية متفاوتة، وأدّت إلى تحديثات في البنية التحتية وانتعاش اقتصادي اجتذب استثمارات عربية خليجية وأجنبية. لكن اغتيال رفيق الحريري فرمل زخم هذا الاندفاع، وما لبث أن أوقفه عملياً حرب «حزب الله» وإسرائيل صيف 2006 وما نتج عنها من دمار وخسائر ما كان ممكناً تعويضها، لولا المساهمات الخليجية. خلال الأعوام العشرة التالية، تعطّل البلد بفعل أزمات سياسية متلاحقة، وشارفت الدولة والاقتصاد على السقوط، ثم أُعدّت خطة جديدة بتحفيز من باريس التي نظّمت مؤتمراً دولياً في أبريل 2018 وتوصّل إلى برنامج «سيدر» لعشرات المشاريع التنموية.
دخل هذا البرنامج الواعد كواليس السياسة اللبنانية التي تكفّلت بإضاعة الوقت الثمين. فبعد شهر من مؤتمر باريس أجريت انتخابات، وتغيّرت الخريطة السياسية، على نحو وصفه قاسم سليماني آنذاك بـ «أن حلفاءنا» يملكون الغالبية في البرلمان. تُرجم ذلك بتعثّر تشكيل حكومة جديدة لنحو ثمانية شهور، وبعد مرور عام على التعهّدات المالية لـ «سيدر» (11.8 مليار دولار)، لم تكّن الحكومة قد باشرت تنفيذ الإصلاحات أو أنجزت الميزانية التقشّفية، كما طُلب منها، بل استمرّت المناكفات بين الأطراف على وقع توتّرات أمنية وسياسية وتدهور اقتصادي متواصل، إلى أن انفجر الغضب الشعبي في الشارع. لم يسعَ أهل الحكم، تحديداً «حزب الله» وحليفه حزب رئيس الجمهورية (التيار الوطني الحرّ)، إلى معالجة سريعة للأزمة، بل بحثوا عن أنجع الوسائل لإحباط انعكاسات الانتفاضة على صيغة الحكم، وقد نجحوا إلى حدّ كبير، لكن الانتفاضة كشفت عمق الأزمة المالية التي راحت تهوي بالعملة الوطنية إلى ما يناهز مئة بالمئة من قيمتها السابقة.
في الأثناء تخلّص حليفا الحكم من رئيس الحكومة سعد الحريري، الذي يعود الفضل إليه في الحصول على برنامج «سيدر». وقبل أسبوع أقرّت الحكومة الجديدة خطتها للتعافي المالي والاقتصادي، ورحّبت الجهات الدولية بهذه الخطة التي تمهّد للتفاوض مع صندوق النقد الدولي (بشروط حدّدها «حزب الله») على قرض بـ 10 مليارات دولار على 5 سنوات. فهذا القرض، وفقاً للخطّة، سيشجّع مانحي «سيدر» على تنفيذ تعهّداتهم ومعظمها قروض أيضاً، لكن الظروف تغيّرت عما كانت عليه وتغيّرت أكثر بعد خسائر وباء «كورونا». وإذ تتوقّع الخطّة استعادة الاقتصاد نموّه بحلول سنة 2024، فإن الخبراء يعتبرون أن هذا النمو سيتطلب وقتاً أطول مع افتراض إنجاز الإصلاحات وتلبية شروط الصندوق الدولي. بين هذه الشروط وقف الاستنزاف الناجم عن إهمال وفساد في قطاع الكهرباء (أكبر مديونيات الدولة)، وضبط إيرادات المنافذ الحدودية الشرعية وإغلاق المنافذ غير الشرعية (ما يسبّب خسائر لـ «حزب الله»). في الأثناء لن تكون تداعيات ميزانيات التقشّف بأفضل بعد هبوط معظم فئات الشعب إلى خط الفقر وما دونه، وبعد تآكل الرواتب والقدرة الشرائية، وبعد مدّ اليد إلى الودائع المصرفية للبنانيين الذين كانوا يشكّلون الطبقة الوسطى في المجتمع.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com