الأزهر.. صون الدين واستعادة السكينة

الأزهر.. صون الدين واستعادة السكينة

رضوان السيد

شهدنا من الحرم المكي والأزهر الشريف صلاة العشاء والتراويح وقيام ليلة القدر. وقد كان خوف الكثيرين منا أن لا تكون مشهدية الروعة وقراءة القرآن ممكنةً بسبب احتياطات دفع الوباء، وضرورات اجتناب التجمع. إنها السكينة والثقة التي تبعثها الموائل الدينية في نفوس المؤمنين، وهم يؤدون أو يشهدون صلوات الجماعة في رمضان. وهي النعمة التي أنعم بها الله علينا في العقود الأخيرة من خلال جلال المشهد بالحرمين الشريفين، ومن خلال حميمية الحضور الحاشد وعذوبته في الأزهر والحسين. سيقول لنا المتحمسون والحزبيون إنه ليست في الإسلام مؤسسة دينية أو كهنوت، وإنها جميعاً من بدع التقليد! ونحن نقول لهم: هذا هو إسلام الجمهور، وهذه هي طمأنينته وهو يعيش ويشهد هذا الصلاح الباعث على الأمن، وهذه العراقة الباعثة على الثقة. لن تتوقف الصلوات في الحرمين، ولن تتوقف في جوامع المسلمين ومساجدهم في طول الأرض وعرضها. وسَمُّوا أئمتنا وقراءنا وفقهاءنا وخطباءنا ما شئتم، فلن نأبه، فهم بعض ممن قصدهم القرآن الكريم في توجيهه: «ولتكن منكم أُمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون»، نعم لقد لبّوا النداء، فرفعوا راية الخير والمعروف والعبادة والفتوى التي يستظلُّ بها المؤمنون في رحمة الله وفضله.
لقد قدمتُ بهذه الدفقة العاطفية بعض الشيء، لتجاوز الغم الذي أصابني بسبب تجدد الحملة على الأزهر، حيث عاد رئيس جامعة القاهرة محمد عثمان الخشت للدعوة إلى عصرٍ دينيٍ جديد. والذي لا يعرفه الأستاذ أننا في عصر ديني جديد بالفعل. ففي الرابع عشر من هذا الشهر، كان النداء المشترك من شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان للدعوة واللجوء إلى الله استغاثةً من الوباء، وعملاً من أجل الأخوة الإنسانية والتضامُن مع أهل الفقر والحاجة، والتعاون العالمي لمواجهة المشكلات المتفاقمة في البيئة والاقتصاد والصحة. والنداء ليس النشاط المشترك الأول أو الثاني أو الثالث، بل كلُّ هذا المنطق الجديد والخطاب الجديد يستند إلى «وثيقة الأخوة الإنسانية» الصادرة بأبوظبي قبل عام. وهي وثيقةٌ نادرة المثال شكلاً ومضموناً، وتفتتح عصراً دينياً جديداً لدينا، نحن المسلمين، ولدى الكاثوليك أيضاً. وقد سمعتُ ذلك من عدة مفكرين كاثوليك، بينما تردد «مفكرون» مسلمون في التحمس لها بسبب جرأتها كما قالوا! والحقيقة أنّ مشكلة هؤلاء التحزب، واعتبار الدين خادماً لأهدافٍ سياسيةٍ هم يعلمون، قبل غيرهم، إضرارها بالمسلمين والإسلام!
لقد تابع دارسو الإسلام والشرق الأوسط عمل الأزهر وشيوخه في دراساتٍ كثيرةٍ عبر أكثر من قرن. في حين كان دأبُ فئاتٍ من التحديثيين العرب الانتقادَ ومحاولات الهدم، بحجة جمود الموروث الديني الذي يتبناه الأزهر تارةً، أو تشدد ذلك الموروث تارةً أُخرى! بينما لم يتصد للانشقاقات الإرهابية، وبقوةٍ وفاعلية، غير الأزهر والمؤسسات الدينية الأُخرى، والتي استطاعت بدعمٍ من الدول الوطنية تجاوُز المكافحة إلى طرح البدائل، فيما لا يزال مثقفونا مهمومين، فيما يزعمون، بإزاحة المؤسسات الدينية ليحرروا هم الدين من أوضار التقليد والإرهاب!
إنّ الفئة الأُخرى الحاقدة على الأزهر ورسالته، هي فئة الحزبيين وجماعات الإسلام السياسي. وهؤلاء أُناس يحلمون بالوصول إلى السلطة باسم الدين منذ نحو مائة عام، لذلك يلتقون مع الحداثيين على كراهية الأزهر والحملة عليه، رغم اختلاف الأهداف. الحداثيون يريدون ديناً خفيفاً لا يُحسُّ ولا يُرى ولا يؤثر، والحزبيون الدينيون يريدون ديناً ثقيلاً وسلطوياً صنعوا هم أكثر مقولاته، ويلاحظون -مثل الحداثيين- أنّ الأزهر يشكّل عقبةً كأداء في وجوههم جميعاً؛ غلاةً ومستهترين.
هناك المهامّ التي لا يتخلّى عنها الأزهر، ولا المؤسسات الدينية الحقيقية، وهي: وحدة العقيدة والعبادة، والفتوى، والتعليم الديني، والإرشاد العام. والقيام على هذه المهامّ بكفاءة فيه صَونٌ للدين، وحفظٌ لثقة الجمهور، ومخاطبةٌ عاقلةٌ للعالم الذي يجهله الحداثيون وهم يظنون أنهم يعرفونه. أما الصحويون فيحملون ثلاثة وجوه: وجه مع الجمهور، ووجه مع الأجانب، ووجه مع الشعوبيين والشعبويين. ولأنهم سقطوا في عيون الجمهور، وفقدوا ثقة الجماعة والتقوى، فما بقي لهم غير التبعية الشعوبية التي عانى منها العرب والإسلام منذ الحقبة الوسيطة.
الأزهر أصلٌ أصيل في صَون هذا الدين، وصون عقائد الجمهور وممارساته. وسنظل معه ووراءه في مقصد استعادة السكينة في الدين، والعمل الاحتسابي في الدول الوطنية ومعها، والشراكة اللائقة بالأمة والدين مع العالم.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com