مقلب على مطرب

مقلب على مطرب

خالد القشطيني

لبس الملابس الأوروبية الرسمية في المناسبات الخاصة شيء يعاني منه حتى الأوروبيون؛ فما بالكم ببسطاء الناس في العراق في العشرينات والثلاثينات؟! انطبق ذلك بصورة خاصة على المطربين والفنانين الذين وجدوا أنفسهم مضطرين في المناسبات الرسمية إلى لبس ما كان يُعرف في العراق ببدلة «السموكنك». وقع في هذا المأزق المطرب الريفي الشهير حضيري أبو عزيز، رحمه الله. كان له صوت رائع وموهبة فريدة في نظم وتلحين وغناء أروع الأغاني الشعبية، مثل «عمي يا بياع الورد»، و«تسوى هلي وكل القرابة يا حميد يا يابا»، و«يا لها تعود الليالي» وغيرها.
في عام 1949، قررت الإذاعة العراقية الاحتفال بيوم تأسيسها بحفلة كبرى يحضرها رئيس الحكومة والوزراء والسفراء وسائر كبار رجال الدولة والسلك الدبلوماسي، وبالطبع كان نجم الحفلة حضيري أبو عزيز. ولما كانت الحفلة رسمية، فقد أصرُّوا على المطرب الكبير أن يترك ملابسه الريفية الفلاحية؛ الدشداشة والغترة والعقال، ويلبس «السموكنك» الأوروبي. عبثاً حاول أن يثنيهم عن عزمهم، فأذعن أخيراً للأمر الواقع، ولكنه طبعاً لم يملك هذه الملابس؛ فبعثوه إلى خياط الملابس الرسمية في الباب الشرقي، وعملوا له بدلة حسب القياس. وقضى المسكين حضيري عدة أيام يحاول لبسها في البيت، المشي والجلوس والوقوف بها. وأهم من كل ذلك، على الغناء بها: «تسوى هلي وكل القرابة يا حميد يا يابا». عانى بصورة خاصة من الياقة والوردة (البابيون) التي كانت تشد على حنجرته، وتقطع أنفاسه.
كان حضيري أبو عزيز في تلك الأيام يدير مقهى شعبياً في جانب الكرخ من بغداد. واعتاد الناس على ارتياده لمجرد مشاهدته وسماع صوته، وعُرف بين الناس باسم «قهوة أبو عزيز».
أخيراً جاء يوم الحساب. وإذا بزبائن «قهوة أبو عزيز» يشاهدون مطربهم الريفي يتحول فجأة من الدشداشة إلى هذا الزي الأسود اللمّاع العجيب. يجلس بهذا الزي، وبيده كيس الدخل وراء طاولة الحساب. فتطايرت الإشاعات في عموم محلات صوب الكرخ من الجعيفر إلى الدورة. وتعددت الأقوال والآراء؛ قال فريق إن حضيري أبو عزيز «تخبل»! ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقال آخرون: لا، بل تزوج امرأة نصرانية، وحكمت عليه بأن يلبس ملابس النصارى، وسمع البعض باسم هذه البدلة السوداء (السموكنك)، فاختلطت في ذهنهم باسم «السوسنك»؛ ذلك المرض الزهري اللعين. قالوا إنه أصيب بـ«السوسنك»، ووصف له الطبيب لبس هذه البدلة السوداء الضيقة. تعددت الآراء، ولكنهم رغم كل ما سمعوه ورأوه، فإنهم جميعاً خفّوا إلى المقهى ليروا هذا العجيب العجاب! حضيري أبو عزيز ببدلة «السوسنك».
جاءت سيارة الإذاعة لتأخذه إلى «قاعة الملك فيصل». ولكن كيف يستطيعون الوصول إليه بين كل هذا الزحام حول المقهى؟ عبثاً حاولت السيارة الوصول إليه، وعبثاً حاول هو الوصول للسيارة. انفضوا عنه، وجاءوا بسيارة شرطة مسلحة مع مفرزة من الشرطة. شقوا الطريق إليه وأتوا به مقتاداً للسيارة المسلحة، وانطلقت به للحفلة.
هذا ما كان من أمر المشاهدين. أما المشاهدات فقد جلسن يتفرجن من الشناشيلات، ورأين الشرطة تقتاد المطرب الكبير إلى سيارة مسلحة فدوت حناجرهن بالعويل: «يا بوه! يا بوه! يا بوه!». ما إن سمع الناس بكل هذا العويل حتى تراكضوا لبيوتهم يتهامسون بأن الحكومة اعتقلت مطربهم الكبير. كان منهم من قال إن الشرطة اكتشفت أنه من أقطاب الحزب الشيوعي. وقال آخرون: بل كان جاسوساً لإسرائيل. وقال غيرهم: لا هذا ولا ذاك. اكتشفوا بأنه كان تاجر مخدرات.
ظلوا يتهامسون بمثل ذلك، حتى سمعوا «الراديو» يلعلع بذاك الصوت الجهوري: «تسوى هلي وكل القرابة يا حميد يا يابا». وانقلب العسر إلى ضحك وأنس وخير، في يوم آخر من أيام الخير التي فاتت.

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com