الإمارات.. وأنسنة السياسة

الإمارات.. وأنسنة السياسة

محمد خلفان الصوافي

ليست الأزمة الحالية التي تصيب المجتمع الدولي كباقي الأزمات التي اعتدنا على مواجهتها، كأزمة أنفلونزا الطيور أو أنفلونزا الخنازير وحتى الأزمة المالية العالمية، التي كان البعض يخرج منها بفرص اقتصادية ومالية للتحسين والتغيير نحو الأفضل، على اعتبار أنه في كل أزمة يوجد تهديد بالخطر وفرصة للتغيير. للأسف تبدو هذه النظرية غائبة بنسبة كبيرة عن العديد من دوائر صنع القرار في العالم خلال أزمة فايروس كورونا، وبالتالي كان من الطبيعي أن نرى تلك الحالات من الارتباك للعديد من سياسيي الدول الكبرى، وصلت في بعض الأحيان إلى أن تغير من الكثير من المسلمات السياسية كانت موجودة في العلاقات الدولية.

ومن أدلة المسلمات التي تغيرت الاتصال الهاتفي الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس الصيني، شي جين بينغ، من أجل التعاون لإيجاد حل مشترك يحمي المجتمع الدولي. ومنها أيضا ذلك الخطاب الغاضب للرئيس الصربي، ألكسندر فوتشيتشن تجاه دول الاتحاد الأوروبي عندما رفضت مساعدته في الحصول على بعض الأدوات الوقائية لمواجهة الفايروس فطلب مساعدة من الصين، ومنها أيضا إغلاق الدول الأوروبية لحدودها مع إيطاليا التي أحست من القرار “أنانية” في وقت حاجتها لهم.

كل هذه المواقف دفعت الرأي العام وبعض السياسيين إلى إعادة التفكير في الكثير من المفاهيم السياسية التقليدية، خاصة بعد أن ظهر بعض السياسيين في العالم لحكومات “عريقة” في مواجهة الأزمات وعرفت بالخطابات “القوية” والبيانات التي لا تعرف غير لغة الإنجاز والبعد عن تأثيرات أو تداعيات الأزمات، حيث ظهر بوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا بخطاب مستفز ومخجل للرأي العام البريطاني يدعوهم فيه للاستعداد لفقدان أعزاء لهم خلال الفترة المقبلة.

ما يعني أن التفكير في جني فوائد اقتصادية أو سياسية من هذه الأزمة غير موجود، والأمر لا يخلو من واقعية وبالتالي فإن قبول طريقة تعامل كل الحكومات كانت تقوم على قاعدة “بلدي أولا”، لا فقط من منطلق إيقاع الأحداث التي يمر بها العالم وفي ظل هذا الضغط النفسي للأزمة، بل أيضا وفق المقولة التاريخية في السياسة لواحد من أهم منظري العلوم السياسية على مر التاريخ نيقولا ميكافيلي “الغاية تبرر الوسيلة” التي تعطي لكل سياسي الحق في حماية نفسه والتي بالتأكيد يحفظها كل السياسيين في العالم عن ظهر قلب، ويكون من السهل استخدامها في هذا الوقت لأن الكل أدرك معانيها.

قيادة دولة الإمارات كانت استثناء من هذه القاعدة السياسية التي اجتاحت العالم منذ البداية، وبشكل خاص لدى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في عدة مواقف تؤكد كلها إيمان ولي عهد أبوظبي بالقيم الإنسانية في العالم وأخلاقيات الحفاظ عليه، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى، وأثبتت أن “الأخلاق الإنسانية” لدى السياسيين وصناع القرار هي العلاج الأمثل لكل التحديات التي تواجه البشرية في العالم، وبالتالي لابد أن تكون هي الفلسفة التي تحكم العالم، وقد انعكس إيمان الشيخ محمد بن زايد بتلك القيم من خلال جملة من الاستثناءات الإماراتية في هذه الأزمة:

أولا: الإعلان في بداية ظهور الأزمة عن تضامن دولة الإمارات مع جمهورية الصين الشعبية في مواجهة تداعيات فايروس كورونا واستعدادها لتقديم مختلف أشكال الدعم لجهود الحكومة الصينية في هذا الإطار.

ثانياً: كان لافتاً للرأي العام العالمي موقف دولة الإمارات وهي تبادر قبل الجميع بإرسال مساعدات إلى جمهورية إيران الإسلامية، وقبل أن تطلب المساعدة الدولية متجاوزة في ذلك كل الخلافات السياسية مع هذا النظام، بل إن الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية أجرى “اتصالا تضامنيا” مع وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف أكد فيه أن الإمارات وطن الإنسانية، الأمر الذي أجبر مدير منظمة الصحة العالمية، تيدورس أدناهوم غيبريسوس، على أن يعبر عن شكره وامتنانه للشيخ محمد بن زايد آل نهيان.

ثالثا: القيام بإجلاء رعايا من عدد من الدول الشقيقة والصديقة من مقاطعة “هوبي” الصينية بعدما تقطعت بهم السبل هناك ونقلهم إلى مدينة “الإمارات الإنسانية” في أبوظبي للتأكد من سلامتهم، وكان لهذه المبادرة ردود فعل دولية كبيرة مشيدة بقيادة دولة الإمارات قبل أن يعودوا إلى بلدانهم.

رابعا: الاتصال الذي أجراه الشيخ محمد بن زايد مع الرئيس السوري حافظ الأسد والذي حمل إلى جانب البعد الإنساني الناحية القومية لدولة عربية يعيش شعبها أزمة وحربا منذ قرابة عقد من الزمان، وهي المكالمة التي أرفقها بجملته الشهيرة “سوريا لن تبقى وحدها في هذه الظروف الحرجة”. فرغم أن الاتصال مثل حدثا سياسيا عروبيا مهما لدى الرأي العام العربي حيث تجاوز كل الخلافات فإن الشيخ محمد بن زايد أكد على الفلسفة السياسية لدولة الإمارات وثوابتها تجاه الإنسانية وتجاه الواجب العربي لها.

إن الشيخ محمد بن زايد آل نهيان قائد عالمي استثنائي في إدراكه لما يحكم العلاقات الدولية، فهو يرى الجانب الإنساني لهذه العلاقة ويعتبرها العامل الأهم في تحقيق المبادئ الدولية، ولعل هذا ما يفسر أسباب غضب التنظيمات الإرهابية من شخصيته.

السؤال هنا، هل مثل هذه السلوكيات الإنسانية قابلة لأن تكون معيارا في العلاقات السياسية بعدما أكدت أغلب النظريات في هذا التخصص بأن الأولية “للمصلحة”، وأن الصداقة والعداوة يتم تقيمها وفقها؟

ما يفعله الشيخ محمد بن زايد آل نهيان يؤكد أن المحرك القادم في العلاقات الدولية هو “أنسنة السياسة”، أي أن تكون موجهة لخدمة الإنسانية. كما أن ردة فعل الرأي العام العالمي بما في ذلك الأوروبيون ومنهم على سبيل المثال، مدرب منتخب كرواتيا، زلاتكو داليتش، تفاعلا مع مبادرة محمد بن زايد الطبية تجاه بلاده، وستيف هارفين الإعلامي العالمي الذي اعتبر الإمارات مكانا آمنا في ظل أزمة كورونا، إضافة إلى بيل غيتس صاحب شركة ميكروسوفت العالمية وغيرهم من السياسيين هي كلها مؤشرات على أن العالم مقبل على مفاهيم جديدة في العلاقات الدولية أساسها الإنسان، فالتحديات تحتاج إلى تعاون الجميع للتضامن من أجل مواجهته.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com