التوأمة بين التجميل والتجهيل!

التوأمة بين التجميل والتجهيل!
خيري منصور

حين نقرأ احصاءات عالمية عن تكاليف مساحيق التجميل وجراحاته تدهشنا الأرقام شبه الفلكية، وتلعب الاعلانات في هذا السوق دورا غالبا ما تكون له البطولة، خصوصا عندما يربط دهاقنة الاعلان بين التعليم الشرطي حسب الطريقة البافلوفية وبين لعاب الناس هذه المرة، فالاعلان يخاطب اضعف نقطة لدى الانسان وهي هاجسه الجمالي وخشيته من ان تظهر تجاعيد الشيخوخة على وجهه، ولا ادري كيف يمكن لانسان ان يخطىء الفارق بين فَلْسَفتيْن هما التجميل والتجهيل، بحيث يصعب على ما يبدو الجمع بين الجمال والثقافة، لأن احد الاثنين يزحف على الآخر، ويخطىء من يظن ان التجميل وحده كافٍ لخلق توازن نفسي سواء للرجال او النّساء، لأن من ينفق ما لديه ويستدين ايضا لكي يكون اجمل ينسى انه ليس الأفضل، وفي اية مناسبة ذات علاقة بالمعرفة ومجالاتها يشعر بأن هناك قُبحاً له رائحة يقبع خلف الجمال الوهمي .

ومن يجرؤ على شراء اداة للتجميل قد يصل سعرها الى نصف راتبه يتردد طويلا اذا ما فكر بشراء كتاب لا يتجاوز ثمنه بضعة دولارات او دنانير، اعتقادا منه بأن الثقافة لا تظهر آثارها ونعمتها على الجسد، وما لا يفطن اليه الكثيرون منا رجالا ونساء هو ان الانسان يصنع جماله، لا بصوته بل بالطريقة التي يتحدث بها ولا بقامته بل بالاسلوب الذي يعاملها به، ولا بشبابه بل بالحيوية التي ترشح من كل مساماته، لهذا هناك شباب في الستين وشيوخ في الثلاثين وتلك هي النسبيّة التي تحكم حياتنا وتُبطل مفاعيل المفاهيم المطلقة والمجرّدة .

وما سماه هربرت ماركيوز الانسان ذو البعد الواحد تنطبق كل مواصفاته على بشر فقدوا ابعادهم كلها باستثناء البعد الاستهلاكي الذي يهدد الانسان في نقله من مرحلة التقليد الى مرحلة التّقريد بحيث يصبح اشبه بدمية من المطاط .

ان هذه التوأمة الاعلانية بين التجميل والتجهيل هي من محاصيل ثقافة تم تجريفها ومن افراز عصر افرغ فيه الانسان من جوهره واصبح اشبه بسلعة صالحة للعرض فقط .

اما المفارقة فهي ان من حذفوا الفارق بين التجميل والتجهيل يفوتهم ان للثقافة جمالياتها، وجاذبيتها وعدم حاجتها الى جراحات ومساحيق باستثناء الحالات التي يتظاهر بها الجاهل بالمعرفة، حيث يسقط القناع المزخرف بعد اقل من خمس دقائق في اي حوار !

من حق الانسان ان يتجمل ويتصابى شرط ان لا يكون ذلك على حساب عاهات وندوب وقروح متقيّحة في داخله !

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com