واشنطن بين العراق وأفغانستان – إرم نيوز‬‎

واشنطن بين العراق وأفغانستان

واشنطن بين العراق وأفغانستان

تاج الدين عبدالحق

إذا صحت التقارير عن قرب توصل الولايات المتحدة، وحركة طالبان الأفغانية، إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وتبادل السجناء والأسرى بين الحركة والحكومة الأفغانية الموالية للولايات المتحدة، فإننا سنكون أمام تطور لافت في حرب مستمرة منذ عقود، دون أن يتحقق حسم عسكري، أو يتم  التوصل إلى اتفاق سياسي.

ورغم أن المسعى الجديد إن تم، يشير إلى تطور سياسي مثير، إلا أنه يطرح، في الوقت نفسه، جملة من التساؤلات والهواجس والمخاوف. فأي اتفاق في هذه المرحلة، هو أقرب للهدنة العسكرية منه للاتفاق السياسي. وهو أقرب لترتيبات ميدانية تسمح للولايات المتحدة بسحب البقية الباقية من قواتها في أفغانستان، تحقيقا للهدف المعلن للإدارات الأمريكية المتعاقبة، والذي ظل يطغى على غيره من الأهداف الأخرى، منذ بدء المفاوضات مع طالبان قبل سنوات.

وعلى غير ما كان يأمله الكثير من المتابعين للمفاوضات بين الجانبين الأمريكي والطالباني، فإن ما رشح من نتائج –حتى الآن –عن جولات التفاوض المتتالية بين الطرفين، لا يشير إلى أننا نوشك على إغلاق فصل الصراع الأفغاني والوصول إلى حلول تتجاوز الشق العسكري، والوصول إلى حلول تنهي الصراعات الدامية هناك، وما نتج عنها من تداعيات .

فالمعارك على الأرض لم تحسم، ولا تزال الأسباب التي كانت وراء التدخل الأمريكي في أفغانسان قائمة، ولا تزال لدى قوى الصراع الأفغاني المبررات والإرادة لتجديد وتصعيد الصراع الداخلي، الذي سمح في مرحلة من المراحل بتسلل قوى خارجية، استظلت بحركات التطرف الأفغانية المختلفة التي كانت ملاذات لجوء وميادين تدريب لتلك القوى .

الاتفاق، استنادا إلى الحدود، والمعلومات، التي تتسرب عن المفاوضات، وبناء على تحليل الارتدادات السياسية المحتملة له، يعني أن الولايات المتحدة لم تستطع خلق البديل الذي يمكنها من أن تملأ الفراغ الذي يحدثه رحيل قواتها.

والدليل على ذلك، هو أن حركة طالبان، ظلت تتمسك بإصرار—وعلى مدى سنوات من المفاوضات — على أن يكون التفاوض المباشر مع الإدارة الأمريكية هو الإطارالوحيد لأي اتفاق، وهو ما يعني أن الحركة لا تقيم وزنا لحكومة كابول الموالية لواشنطن، وأنها تعتبر أي اتفاق غير ملزم لها لإقامة جسور مع الحكومة الأفغانية الحالية، إلا بالشروط والكيفية التي تتناسب مع مصالح ورؤية الحركة .

والأخطرمن ذلك، أن أي اتفاق من هذا القبيل يرسل برسالة خطيرة، ويقدم صيغة ووصفة سياسية، للجماعات المسلحة حول العالم، مفادها أن قوى التطرف تنتصر وتتقدم، وأن صمود هذه القوى في معاركها الحالية، وفي الميادين والساحات التي تقاتل أو تعمل فيها، يمكن أن يؤتي ثماره، وأنها إن أحسنت إدارة صراعها العسكري والسياسي قادرة على استنساخ النموذج الطالباني، والاستقواء به سياسيا وعسكريا، وصولا لاستعادة ما فقدته في معاركها السابقة، وأن تجعل من الانتصار السياسي الذي تحققه حركة طالبان باتفاقها مع الإدارة الأمريكية، فرصة جديدة، تبني عليها أو تستفيد منها، لاستقطاب عناصر وجماعات جديدة، خاصة من تلك التي فقدت قوتها في بعض ميادين الصراع، وتبحث الآن عن بدائل تسمح لها بالتجمع من جديد، وفرص تهيئ لها أسباب الانتقام، والتخلص، والانعتاق من حالة الإحباط، التي تعيشها حاليا، وتسمح لها باستعادة ما فقده خطابها الأيديولوجي والإعلامي من مصداقية وتأثير.

الولايات المتحدة رغم مرور أكثر من عقدين على تدخلها العسكري المباشر في أفغانستان، تعيد إنتاج  الخطأ ذاته الذي ارتكبته في العراق، الذي دخلته بذريعة الحرب على الإرهاب لتخرج منه وهو يعاني  كلَّ أشكال عدم الاستقرار والفوضى .

في أفغانستان نحن أمام وضع مماثل، فقد حصرت الولايات المتحدة دورها طوال السنوات العديدة التي مضت على وجود قواتها هناك بمحاولة البحث عن حسم عسكري لصراعها الطويل مع المتطرفين، دون أن تستطيع طوال هذه الفترة خلق النموذج الذي يسمح بحسم الصراع الأفغاني سياسيا وأمنيا، وحل كل المشكلات التي كانت وراء النزف الدموي المستمر منذ عقود، لقواتها ومواردها، وقوات وموارد أفغانستان، وهاهي قواتها تخرج من هناك، دون أن يتحقق حسم عسكري ناجز، أو استقرار سياسي مستدام.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com