حكومة النص نص – إرم نيوز‬‎

حكومة النص نص

حكومة النص نص

تاج الدين عبد الحق

اجتازت حكومة الدكتور الأكاديمي، حسان دياب في لبنان، عتبة الحصول على ثقة المجلس النيابي، وهي الحلقة الأضعف في سلسلة معقدة من الخطوات التي تضمن استمرارها، حتى لا نقول نجاحها.

حكومة دياب؛ هي حكومة ”النص نص“ في كل شيء، فبالكاد حصلت على ثقة نصف عدد أعضاء الندوة البرلمانية، وتراهن لنيل الدعم الشعبي على نصف حراك الشارع الذي ظل يطالب بحكومة تكنوقراط غير سياسية، واستبعاد كل القوى السياسية التي أوصلت الأزمة إلى طريق مسدود.

هي ليست حكومة محاصصة سياسية كما يقول خصومها، وكما اعتاد على ذلك لبنان منذ استقلاله، لكنها أيضا، ليست حكومة تكنوقراط كما أرادها الحراك الشعبي الذي أطاح بحكومة سعد الحريري، والذي استطاع باحتجاجاته المستمرة منذ الـ 17 من تشرين الثاني/ نوفمبر، وحتى الآن، قلْب المعادلة السياسية التقليدية برمتها، وفرض صيغة غير مألوفة على طريقة تشكيل الحكومات اللبنانية.

الحكومة الجديدة تتولى المسؤولية في مواجهة شارع مقسوم لا عدديا فقط، بل مقسوم في الاتفاق على الكيفية التي ستتم فيها مواجهة الأزمات، والوفاء بالاستحقاقات.

والذين يؤيدون الحكومة الجديدة يؤيدونها من باب أنها الوسيلة الوحيدة التي تبقي لهم رجْلا في الحكم ورجْلا بالمعارضة. فالغطاء السياسي الذي وفروه للحكومة، يجعلهم شركاء على نحو أو آخر بالقرار الحكومي، وشركاء في قطف الثمار السياسية، إنْ استطاعت الحكومة النجاح، والاستمرار.

أما الذين يعارضونها من اليوم الأول، وحتى بعد نيلها الثقة البرلمانية، فهم الذين يراهنون على فشلها، وهو الفشل الذي يعطيهم فرصة لعودة مظفرة يستعيدون فيها السلطة التي فقدوها أمام حراك الشارع، ويستعيدون معها شعبيتهم التي اهتزت بشدة، ودفعتهم في نهاية المطاف للرضوخ وتحمل وزر الأزمة ونتائجها.

الحكومة اللبنانية الجديدة بعد ذلك منقسمة، بين الداخل والخارج.. داخل يضغط بقوة مطالبًا بالتغيير، وخارج يتربص بها، ويتحيّن الفرصة للانقضاض عليها تصفيةً للحساب مع مَن يغطيها مِن رموز الداخل ويدعمها خلسة مِن القوى السياسية.

فالخارج حتى لو أبدى استعدادًا للمساعدة، له شروطه وحساباته، التي تجعل إقدامه أو إحجامه عن المساعدة التي يحتاجها لبنان بشدة، مرتبطًا باعتبارات إقليمية ودولية، لا اقتصادية فقط، وقد لا تكون حكومة دياب بالصيغة الحالية قادرة على الاستجابة لها، أو التعامل معها.

هي بعد ذلك كله حكومة في المنتصف بين سياسة لا تملك خبرة فيها، وتتبرأ منها، وتنأى بنفسها عنها، وبين اقتصاد تعرف عناوينه الأكاديمية وأساليبه النظرية، لكن ثقل التركة التي يحملها هذا الاقتصاد، وعمق الأزمات التي يعيشها، لا توفر له مفاتيحَ لحلحلتها، ولا أدواتٍ كافية لعلاجها.

والمشكلة الأولى التي تواجهها حكومة حسان دياب، هي ضغط الوقت، وانعدام الصبر وقلة الإمكانية للتعامل مع أزمات لا يمكن أن تنتظر طويلًا، كما أن هذه الحكومة ليس لديها الجرأة، أو الغطاء لتقديم مسكناتٍ، مقبولةٍ أو معقولةٍ تعيد المتظاهرين في الشارع لبيوتهم. وتطمئنهم على أموالهم وأعمالهم.

الأزمة المصرفية الحادة التي يعيشها لبنان، هي قمة جبل الأزمات، الذي يتطاول مع كل يوم من أيام الحراك. فالثقة بالجهاز المصرفي الذي ظل ملاذًا مكَّن اللبنانيين من التعايش تاريخيًّا، مع الأوضاع الصعبة فترات طويلة، تهتز اليوم بقوة، على وقع امتناع المصارف عن صرف أموال المودِعين والتلكؤ في تأمين احتياجات القطاعات الاقتصادية المختلفة، ليجد المودِعون أنفسهم وعلى اختلاف انتماءاتهم السياسية، أنهم لم يعودوا قادرين على استعادة أموالهم، وأن قرشهم الأبيض الذي أدخروه سنواتٍ لمواجهة الأيام الصعبة السوداء التي يعيشونها الآن، يفقد جزءًا أساسيًّا من قيمته وقوته الشرائية.

حكومة التكنوقراط كما قدمها حسان دياب للمجلس النيابي اللبناني حصلت على ثقة الداخل النيابي، لكنها لا تزال بعيدة عن نيل مباركة ودعم الخارج الذي ينظر لها كـ“صيغة تلفيقية“، غير قابلة للاستمرار، خاصة وأن الحكومة الجديدة كانت حريصة على إرضاء بعض القوى السياسية الداخلية التي كانت جزءًا من الأزمة التاريخية للبنان، ومن الصعب أن تكون اليوم جزءًا من الحل.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com