خطة ترامب في ارتجاعاتها العربية – إرم نيوز‬‎

خطة ترامب في ارتجاعاتها العربية

خطة ترامب في ارتجاعاتها العربية

عدلي صادق

يرمز الذي حدث للمنصف البعتي، مندوب الجمهورية التونسية لدى الأمم المتحدة، إلى مأزق النظام العربي حيال خطة ترامب لتسوية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. فما حدث، يعكس واقع التعارض بين العديد من صيغ الخطاب السياسي من جهة، ومعطيات العمل السياسي على الحلبة الدولية، بشروطه وأسقفه وعناصر فاعليته، فضلاً عن أوضاع كل بلد ونظام، على أصعدة الاقتصاد والأمن ومسائل الاستقرار والنزاعات وغير ذلك.

كانت صيغة الخطاب المعلن في إطار جامعة الدول العربية، متاحة بحكم ما استقر عليه منطق الصياغات في هذا الإطار، وأهم عناصره في الغالب، هو الإجماع على كل صيغة مع اختلاف سياسات الدول الأعضاء. وفي حالات استثنائية كانت الغالبية تكفي، ويستوعب إطار “الجامعة” قليلاً من التحفظات. لذا كان يسيراً أن تعتمد الصيغة المنحى النقدي للخطة الأميركية، والتأكيد الحاسم على أن حلّ القضية الفلسطينية لن يكون بغير الالتزام بمحددات مرجعيّتها الدولية، لضمان حقوق الشعب الفلسطيني، المنصوص عليها في مقاربات التسوية خلال قرابة نصف قرن!

غير أن إعفاء المنصف البعتي من مهمته، في لحظة الذروة، يقدم مثالاً لاصطدام الخطاب الأيديولوجي مع الخطاب السياسي، ويُعجّل في اختبار قدرة الخطاب الأول على اكتساب مفاعيله في الممارسة السياسية، علماً أن رئيس الجمهورية التونسية، كان قد طرح خطاباً ذا وعود قصوى، يتجاوز في “أصوليّته” ما يتحدّث به خطباء المساجد الذين امتلكوا حريتهم في أحاديث الحتميات. ومثل هذه الخطابات، سرعان ما ينكشف عجزها، عندما تغشى منابر العمل السياسي والديبلوماسي، وتفتح أبواب السجال والمقارنات بين ما قيل وما جرى أو ظهر في لحظة الاختبار.

ينبغي ألاّ يختلف اثنان، على أن صفقة ترامب لم تكن هي ما يتمناه العرب وينتظرونه، بخلاف ما ذهب إليه إعلام “الإخوان” ومؤيدوهم، عندما اتهموا دولاً عربية، جزافاً، بأنها تواطأت أو ساعدت على خروج صيغة الخطة بالشكل الذي خرجت به، أو شاركت في إعدادها. ذلك على النحو الذي يلائم ويُغذّي فكرة “الخيانة” التي هي الاتهام الأثير في لغة الجماعة. بل إن “خبراء” هذا الإعلام لا يجهلون أن التأويلات والاتهامات الجزافية، تساعد صفقة ترامب ولا تسهم في إحباطها، لأنها تشيع مُناخاً من الشك واليأس، وتعزّز فكرة الانهيار. وكأن “الإخوان” وتركيا الأردوغانية ونظام قطر، قادرون على رفع الهمم واستعادة اليقين وملء الفراغ الذي يتركه الهاربون المفترضرون من مسؤولياتهم!

مقدمات خطة ترامب، على مرّ أكثر من سنتين، وُوجهت بموقف عربي معترض على سياقها قبل أن تظهر. وأكدت المواقف العربية، وهي أصلاً راعية صيغ الاعتدال والتسوية وفق المرجعيات الدولية؛ على أن الحل الدائم والقابل للحياة، هو ذلك الذي لا يجيز ضم أراض فلسطينية ويترك للفلسطينيين الأراضي المحتلة في العام 1967 لإقامة دولتهم المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية التي يعيش فيها ربع مليون فلسطيني. وكان الموقف العربي، هو سبب عودة جاريد كوشنر من ورشة البحرين، محبطاً وفاشلاً.

الناظر الآن إلى بنود الصفقة، يعلم يقيناً أن الطرف الوحيد الذي استشير في بنودها وشارك في صياغتها هو بنيامين نتنياهو وحده!

معلوم أن هذا الأخير؛ يلعب بورقة اتصالاته العربية ويبالغ فيها ويضفي على بعضها منزوع السياسة، طابعاً سياسياً، وله في ذلك أسبابه الداخلية. ومن المفارقات أن ما يباهي به نتنياهو لا يقتصر على دولة عربية بعينها، تكون قد استضافت مسابقة رياضية أو مؤتمراً دولياً شاركت فيه إسرائيل. فما يحدث في الإمارات يحدث في قطر وما يحدث في الأخيرة ويحدث في تركيا لا يحدث في السعودية، لكنّ الرّواج المراد في إعلام “الإخوان” يعتمد مبدأ التمييز دون سند إلا التأويل واختراع السيناريوهات التي يتلقّفها السُذج والتابعون وكأنها حقائق، بل إن المفارقة الأطرف، هو إعفاء دول أخرى، بعضها أبرم معاهدات مع إسرائيل ويقيم علاقات ديبلوماسية معها، من فكرة المؤاخذة حتى دون وداد بينها وبين “الجماعة”. فهذه تتحصل على الإعفاء سواء كانت راعية للجماعة، كتركيا الأردوغانية، أو كانت على غير ذي وداد، كالأردن. هنا تتجلى ذميمة الرياء أو التلميح دون التصريح، بينما في تناول سياسات بلدان أخرى، تتمادى تجليات الهجاء بالتأويل والسيناريوهات المفبركة.

نحن هنا لا ندافع عن موقف أيّ طرف، لكننا ننوه إلى وجود قضية مركزية وذات طابع تاريخي مشحون بالمقدس. والأجدر بمن يتخذون منها موضوعاً للسجال في سياق صراعات المحاور، أن ينظروا أولاً في المشهد، وأن يتحلّوا بالأمانة ومنطقية التحليل توخياً للصدقية، أو أن ينظروا إلى أنفسهم في المرآة، وأن يراجعوا أنفسهم وسياسات أصدقائهم، بدل أن يلوذوا إلى الصمت المعيب!

للأسف لم تجد الحال الفلسطينية المتشظية، التي تُعدّ اليوم نقطة الضعف في الموقف العربي الرافض لصيغة ترامب؛ من يعالجون أمراضها بجهد جماعي عربي ضامن لاستعادة الطيف الفلسطيني وحدته على أساس استراتيجية عمل وطني واحدة. فالمصريون بجهدهم المُقدّر، يؤدّون ما عليهم في طريق غير مُعبّد، سقفه التهدئة واحتواء التداعيات على خط التصعيد ضد غزة ومنها. لكن فرصتهم في أداء دورهم، تعالج في كل مرة المشكلة بمنطق نتائجها وليس بمنطق أسبابها، حتى أصبحت تقتصر على التفاهمات بين إسرائيل وحماس وحسب، وليس بين السلطة وحماس.

لقد أعيت المصريين المحاولات على هذا الصعيد، وسبب الإخفاق هو دخول العامل القطري على الخط. فلقطر علاقات قوية مع حماس وعباس، لكنها معنية باستبقاء خصومتهما، وهذا نابع من حرصها على إفشال المصريين، إذ يهون الانقسام الفلسطيني في حساباتها، إذا كان الوفاق سيساعد مصر على تعزيز قبضتها على سيناء واستعادة دورها الإقليمي!

حتى الآن، لم يتحرك الطرفان الفلسطينيان، المتسبّبان في فصل غزة عن الضفة، خطوة واحدة لاستعادة وحدة الكيان الفلسطيني والموقف السياسي الرافض لخطة ترامب. أما الطرفان اللذان يملكان إلزام الطرفين، وهما قطر وتركيا، اللذان يمتلكان علاقات قوية مع حماس وعباس، فلا يكترثان لمصيبة الانقسام الفلسطيني، علماً بأنهما صاحبا الموقفين النظريين، الأشد بلاغة في رفض الصفقة. وهنا، مرة أخرى، يتبدى التعارض بين الخطاب والممارسة!

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com